طرابلس ومشاريع التقسيم: صمت المدينة أمام ضمها المقترح لكيان سني
10 تموز 2025

طرابلس ومشاريع التقسيم: صمت المدينة أمام ضمها المقترح لكيان سني

كَتبَ المُحرّر

وسط غبار التحولات الإقليمية، تجد مدينة طرابلس اللبنانية نفسها أمام طرحٍ غريب يقضي بضمّها إلى كيان سني ناشئ في سوريا. هذا المقترح، الذي ظهر مؤخرًا في تقارير إعلامية ومقابلات سياسية، ليس مشروعًا وحدويًا بريئًا بل حلقة في سلسلة مشاريع تقسيم أوسع تضرب المشرق العربي.
المثير للانتباه أن ردّ فعل المدينة – سياسيًا ودينيًا وشعبيًا – جاء باهتًا إلى حدّ الصمت، وكأن طرابلس التي عُرفت تاريخيًا بمواقفها الصلبة تواجه اليوم هذا الخطر الوجودي بلا حراك يذكر.

مشاريع تفتيت سوريا ولبنان: خرائط ما بعد الحرب

منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، تكاثرت السيناريوهات عن تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وإثنية. أعادت مراكز أبحاث غربية رسم خريطة المشرق بشكل جذري، حتى أن نيويورك تايمز نشرت عام 2013 تصورًا لكيفية تفتيت خمس دول إلى أربع عشرة دولة.
ضمن هذه الرؤى برزت مصطلحات مثل “العلويستان” على ساحل سوريا و*“سنيستان”* (كيان سني) يمتد في مناطق السنّة بسوريا والعراق.
وبموازاة ذلك، طُرحت فكرة دويلة كردية في الشرق السوري (شرق الفرات)، وحتى وصل الأمر ببعض التكهنات إلى توقع إلحاق محافظة حلب بتركيا أو وضعها تحت نفوذ تركي مباشر.

هذه التصورات لم تكن مجرد تكهنات صحفية؛ فحتى صانعو القرار ألمحوا إليها في لحظات معينة. ففي عام 2016 مثلاً صرّح وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري بأن الحفاظ على وحدة سوريا قد يصبح مستحيلًا إن طال أمد الحرب، ملمّحًا إلى خطة بديلة "Plan B" قد تشمل التقسيم.
كذلك ناقشت دوائر بحثية فكرة قيام كيان درزي صغير في جنوب سوريا (جبل الدروز ومحيطه) إذا ما انهارت السلطة المركزية. باختصار، صار تفتيت بلاد الشام جزءًا من السيناريوهات المطروحة دوليًا خلال حرب سوريا وما بعدها.

كيان علوي على الساحل وسني بلا ساحل... فماذا عن طرابلس؟

ضمن خطط التقسيم تلك، حُجز للعلويين كيانٌ على الساحل السوري يضمن لهم منفذًا بحريًا (موانئ اللاذقية وطرطوس)، بينما الأكراد قد ينالون كيانًا في أقصى الشمال الشرقي لسوريا (على ضفتي الفرات الشرقية).
أما السنّة العرب، الذين يشكّلون أغلبية في وسط سوريا وغرب العراق، فغالبًا ما تَصوَّرت الخطط لهم كيانًا واسعًا يمتد في محافظات دمشق وحمص وحماة السورية وربما يتصل بمناطق سنية في العراق (الموصل والأنبار).
غير أن هذا الكيان السني المفترض سيكون بلا منفذ بحري إذا بقي الساحل بيد الدولة العلوية. من هنا انطلقت بعض الأطروحات الخطرة: منح ميناء على البحر لهذا الكيان السني عبر ضم طرابلس (شمال لبنان) إليه.

إن فكرة اقتطاع طرابلس من لبنان لإلحاقها بدولة سنية ناشئة ظهرت في عدة تسريبات ومقترحات غير رسمية. على سبيل المثال، نشرت وسيلة إعلام إسرائيلية مؤخرًا سيناريو لمقايضة جغرافية ضمن اتفاق سلام مستقبلي بين دمشق وتل أبيب، يتضمن تسليم مدينة طرابلس وأجزاء من شمال لبنان والبقاع إلى سوريا مقابل احتفاظ إسرائيل بمعظم هضبة الجولان المحتلة. وفي تفاصيل هذا السيناريو، تبقى لإسرائيل ثلثا مساحة الجولان، فيما يُعوَّض النظام السوري عن جزء من الجولان بميناء طرابلس اللبناني كمنفذ على البحر المتوسط. هكذا، تتحول طرابلس إلى ورقة مقايضة جغرافية بيد قوى إقليمية ودولية، ضمن صفقة تقسيم كبرى للمنطقة.

ضمّ طرابلس: مشروع تقسيمي لا وحدة عربية

رغم أن ضمّ مدينة ذات أغلبية سنية مثل طرابلس إلى كيان سني في سوريا قد يبدو ظاهريًا كأنه وحدة بين “أهل السنة” عبر الحدود، إلا أنه في الجوهر جزء من مخطط التقسيم وليس خطوة وحدوية قومية. الفارق جوهري: الوحدة المنشودة تاريخيًا بين لبنان وسوريا كانت تقوم على اندماج الكيانين في دولة واحدة لكل مواطنيها، أما هذا الطرح فيقوم على تمزيق البلدين طائفيًا ثم وصل الأشلاء ذات اللون المذهبي الواحد ببعضها. إنه تفكيك مقنع برداء الوحدة المذهبية.

مصدر هذه الفكرة لم يكن نابعًا من إرادة شعبية طرابلسية ولا من مشروع نهضوي، بل من مطابخ جيواستراتيجية خارجية. فقد تسرّب أن باحثين في مراكز دراسات غربية وإسرائيلية ناقشوا خلال الحرب السورية سيناريو إنشاء "دولة سنية معتدلة" في مناطق المعارضة السورية، على أن تؤمَّن لها واجهة بحرية عبر طرابلس لبنان.
حتى أن كمال اللبواني، وهو معارض سوري بارز، كشف مؤخراً أنه في اجتماعات غير رسمية عام 2016 طُرح أمامه مشروع “مبادلة أراضٍ” يسلِّم طرابلس وصيدا إلى سوريا مقابل إعطاء الجولان لإسرائيل. هذه الطروحات تؤكد أن ضمّ طرابلس ليس رغبة طرابلسية، بل تفصيل في خطة خارجية لتقسيم النفوذ بين قوى كبرى.

ردود الفعل المحلية وصفت هذه الروايات بأنها مختلَقة وخطيرة. فقد سارع النائب أشرف ريفي  إلى نفي ما يُشاع عن اتفاق سوري-إسرائيلي يشمل ضمّ طرابلس، ووصفه بأنه منفصل عن الواقع وعديم المصداقية.
وأكد ريفي بلهجة حازمة أن "الفيحاء (طرابلس) لبنانية، لبنانية، لبنانية... ولبنان الـ10452 كم² وطن نهائي لنا ولجميع أبنائه".
وشدد أن لا سوريا ستفرّط بالجولان ولا لبنان سيتخلى عن طرابلس، معتبرًا من يروّج هذه الشائعات مجرد أبواق لها غايات مشبوهة.
هذا الموقف يوضح أن الضم المقترح مرفوض وطنيًا وينظر إليه كمخطط تقسيمي مغرض لا كمسعى وحدة أو ارتباط طبيعي بين شعبين.

حتى اللبواني نفسه – ورغم تأييده فكرة عودة أجزاء من لبنان إلى "الحضن السوري" تاريخيًا – اعترف بأن طرح ضم طرابلس اليوم مرتبط بشرط تقسيمي.
فهو يحذّر أنه إذا قُرِّر دوليًا سلخ جزء من الساحل السوري لإقامة كيان علوي مستقل، فإن المعسكر السني سيرد بالمطالبة بطرابلس وصيدا بالقوة. قالها صراحة: "إذا قررت القوى الدولية اقتطاع جزء من الساحل السوري، سنأخذ نحن طرابلس وصيدا بالقوّة... إذا كان لا بد من إعادة رسم الخريطة، فليُرسَم بالطريقة التي تناسبنا".
هذا تصريح خطير يكشف أن مسألة طرابلس يجري التعامل معها كرقعة شطرنج في لعبة التقاسم: إذا أخذ طرف قطعة (الساحل مثلاً) سيأخذ الآخر قطعة مقابلة (طرابلس كميناء). لا حديث هنا عن وحدة طوعية بين شعبين، بل عن اقتسام غنائم في حرب نفوذ.

ويزيد اللبواني الأمر وضوحًا حين يصف لبنان بأنه مجرد "مشروع صراع دائم، والقوى الإقليمية (إسرائيل وأميركا وروسيا) هي من ترسم خريطته، ولبنان هامش على تلك الخريطة".
بكلام آخر، أصحاب هذا الطرح ينظرون إلى طرابلس بوصفها أرضًا بلا صاحب قوي، يمكن تغيير انتمائها بقرار فوقي في بازار المصالح الدولية. إنه منطق تقسيمي استعلائي يتعامل مع المدن كأنها أحجار على رقعة، لا اعتبار فيه لإرادة أهلها أو لوحدة أوطانها.

صمت المدينة: أين السياسة والدين والشعب؟

رغم جسامة هذا التهديد الوجودي، بدا الصوت الطرابلسي خافتًا على نحو مقلق. سياسيًا، اقتصر الأمر على بيان النائب أشرف ريفي الرافض للشائعة وبعض التصريحات المماثلة من نواب آخرين. لم نشهد مثلاً انعقاد تجمعات شعبية كبرى في طرابلس تندّد بالفكرة، ولا صدرت بيانات موحدة من فاعليات المدينة السياسية على اختلافها تعلن موقفًا حازمًا.
دينيًا، اكتفى مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام – الذي صادف أنه كان في زيارة إلى دمشق خلال إثارة هذه القضية – بنفي علمه بأي طرح كهذا، مؤكدًا على عمق الروابط بين لبنان وسوريا دون التطرق بتفصيل لمخاطر تلك الشائعات.
بدا وكأن المرجعية الدينية تريد تهدئة الأمور ونزع فتيل الفتنة الإعلامية، لكنها أيضًا لم تقم بتعبئة الشارع الطرابلسي ضد فكرة الضم.

أما شعبيًا، فقد قابل معظم أبناء طرابلس الأخبار بشيء من عدم التصديق أو اللامبالاة. وربما يعود ذلك إلى الشعور العام بأن هذه مجرد مناورة إعلامية أو حرب نفسية، خصوصًا وأن مصادرها مشبوهة (موقع عبري مجهول نقل عن "مصدر سوري" مجهول).

يعاني الطرابلسيون أصلًا من هموم معيشية خانقة في ظل الانهيار الاقتصادي في لبنان، وقد لا يجد كثيرون طاقة أو ثقة كافية للتحرك على وقع خبر يبدو لهم أقرب إلى الإشاعة.
كما أن انعدام الثقة بالقيادات السياسية يجعل الشارع حذرًا من أي تحرك يُستغل لمآرب خاصة. لذا مرّ الموضوع بهدوء نسبي وكأنه إنذار نظري لن يتحقق، رغم خطورته إذا صحّت النوايا خلفه.

لا بد أيضًا من الإشارة إلى أن طرح ضمّ طرابلس يضع أهلها في إرباك هوياتي: فمن جهة هم لبنانيون ويفخرون بانتمائهم لوطنهم، ومن جهة أخرى تجمعهم مع سوريي الداخل أواصر الدين والقربى.
استغلال هذه الأواصر لتمرير مشروع تقسيمي يضعهم في موقف حساس، وربما لهذا فضل الكثيرون التزام الصمت تجنبًا لتأجيج فتنة طائفية أو سوء فهم حول ولاءاتهم.
بيد أن هذا الصمت إن طال أكثر من اللازم قد يُفسَّر خاطئًا على أنه قبول ضمني أو ضعف، وهو ما قد يغري أصحاب المشاريع التقسيمية بالمضي قدمًا في مخططاتهم.

جدير بالذكر أن اللبواني ذاته ادعى في مقابلته أن "سكان طرابلس مهمَّلون، وسنّة لبنان بلا تمثيل حقيقي، ويمكن كسبهم إلى جانبنا" إذا قامت دولة سورية سنية قوية.
هذا التصور يعكس نظرة بعض أصحاب المشروع التقسيمي إلى حالة الإحباط والتهميش في مدينة طرابلس، بوصفها ثغرة يمكن النفاذ منها. فحين يغيب الدور الرسمي الفاعل، ويخيّم البؤس الاقتصادي، تصبح المجتمعات أقل مناعة أمام الطروحات الراديكالية.

وربما يعتقد مهندسو تقسيم المنطقة أن طرابلس “الحزينة” ستكون لقمة سائغة لأن أهلها فقدوا الأمل بدولتهم اللبنانية! وهذا جرس إنذار ينبغي أن يُسمَع صداه في كل لبنان: الإهمال والتهميش يفرزان الفراغ... والفراغ تملؤه المشاريع الغريبة والخطيرة.

طرابلس في مواجهة الهيمنة: دروس من الماضي

إن الصمت الحالي لطرابلس لا يشبه تاريخها فالمدينة لطالما كانت سبّاقة إلى التحرك عندما تشعر بتهديد خارجي أو انتقاص من كرامتها الوطنية. تعيدنا الذاكرة إلى أربعينيات القرن الماضي، حين كانت طرابلس جزءًا من الكفاح لنيل استقلال لبنان عن فرنسا.

فقد برز الزعيم الطرابلسي عبد الحميد كرامي قائدًا وطنيًا مطالبًا بجلاء الفرنسيين وتحقيق الاستقلال، وكان أحد أركان الحركة التي أثمرت استقلال لبنان عام 1943.
يومها لم تقف طرابلس على الحياد؛ نزل أبناؤها إلى الساحات تأييدًا لحكومة الاستقلال ورفضًا لبقاء الانتداب. وتاريخ المدينة حافل بالمظاهرات والإضرابات ضد الاستعمار، تأكيدًا على وعيها الوطني رغم أنها أُلحقت بلبنان بقرار فرنسا عام 1920.

بعد ذلك بعقد ونصف، تحديدًا في عام 1958، شهدت طرابلس انتفاضة ناصرية ضمن ما عرف بأزمة لبنان 1958. حينها التفّ كثير من سنة طرابلس حول الزعيم رشيد كرامي (نجل عبد الحميد كرامي) في مواجهة حكم الرئيس كميل شمعون الموالي للغرب.

طالبت الثورة يومها بانضمام لبنان إلى مشروع الوحدة العربية بقيادة جمال عبد الناصر (الجمهورية العربية المتحدة).
وكانت طرابلس معقلًا رئيسيًا لتلك الانتفاضة المسلحة التي كادت تطيح بالحكم القائم لولا تدخل قوات المارينز الأميركية دعمًا لشمعون.

ورغم النهاية التسووية للأزمة وتوقف المشروع الوحدوي، سجّل التاريخ أن طرابلس لم تخش يومها الوقوف بجرأة ضد مشروع هيمنة أجنبية (تمثّل في حلف بغداد آنذاك) وضد استفراد السلطة بالحكم بعيدًا عن الهوية العربية للبنان.

وفي مراحل الحرب الأهلية (1975–1990) وما تلاها، بقي في طرابلس نبض رفض الهيمنة الخارجية وإن تراجع زخمه. فعندما دخلت القوات السورية إلى لبنان في أواسط السبعينات، ثم استتب لها النفوذ خلال الثمانينات، ظهرت في طرابلس حركات إسلامية وسياسية عارضت الوصاية السورية وطالبت بقرار لبناني مستقل.
ورغم أن ميزان القوى لم يكن في صالحها – حيث قمعت دمشق محاولة “حركة التوحيد الإسلامي” السيطرة على المدينة عام 1985 بالقوة – إلا أن مجرد حصول تلك المواجهة يدل على رفض شريحة من الطرابلسيين لأن يُملى عليهم مستقبلهم من الخارج.

وكذلك عندما اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان عام 1982 ووصلت قواته إلى مشارف الشمال، خرجت في طرابلس تظاهرات تضامن مع الجنوب والمقاومة الفلسطينية آنذاك، واحتضنت المدينة ياسر عرفات وقوات منظمة التحرير بعد خروجهم من بيروت سنة 1983 قبل أن تضطرهم الضغوط السورية إلى المغادرة. هذه المواقف وغيرها تؤكد أن لطرابلس تاريخًا طويلاً في رفض الاحتلال ومشاريع الهيمنة أيا كان مصدرها.

هذا الإرث النضالي يضع تحدّيًا أمام أبناء طرابلس اليوم: هل يتركون مدينتهم تتحوّل إلى ورقة مقايضة صامتة، أم يستلهمون ماضيها ليثبتوا أنها ليست لقمة سائغة في أفواه المخططات؟

بين المطرقة والسندان: طرابلس ورقة جغرافية أم قضية وطنية؟

أمام واقع انهيار الدولة اللبنانية وضعف القرار المركزي، تخشى فئات كثيرة أن تتحول بعض مناطق البلاد إلى بيادق على رقعة شطرنج إقليمية.
طرابلس تحديدًا تبدو بين مطرقة الأطماع الخارجية وسندان الغفلة الداخلية. فالمجتمع الدولي الذي رسم خرائط سايكس-بيكو قبل قرن لا يزال ينظر إلى المنطقة بعيون المصالح، ولبنان الهش اليوم قد لا يُستثنى من إعادة ترسيم الحدود إذا أعيد خلط أوراق الجوار.
في المقابل، يعاني الداخل اللبناني من انقسامات وشلل تجعل التصدي الجماعي لهكذا مخاطر مهمة صعبة. لكنّ الصعب ليس مستحيلًا، وحماية طرابلس تبدأ من إدراك اللبنانيين عموماً والطرابلسيين خصوصاً لخطورة ما يُحاك.

لقد أثبت التاريخ الحديث أن أي مشروع تقسيمي في الشرق الأوسط لن يقف عند حدود دولة واحدة.
فتفتيت سوريا حتمًا ستليه ارتدادات على لبنان والعراق والأردن وغيرها. من هنا، الدفاع عن طرابلس اللبنانية هو دفاع عن وحدة المشرق برمّته.
على القوى الوطنية اللبنانية أن ترتقي إلى مستوى هذا التحدي بتنحية خلافاتها الضيقة ورصّ الصفوف خلف ثوابت السيادة ووحدة الأرض.
وعلى الدولة اللبنانية – رغم أزمتها – أن توصل رسالة واضحة بأن سيادة لبنان على كل شبر من أرضه غير قابلة للبيع أو المقايضة. فالمسألة لا تتعلق بمدينة طرابلس وحدها، بل بمبدأ حرمة الحدود الدولية التي إن سقطت في حالة واحدة تتداعى في سواها.

أما طرابلسيون أنفسهم، فلابد أن يستعيدوا ثقتهم بقدرتهم على التأثير. صمتهم المطبق اليوم قد يُفسَّر غدًا بشكل خاطئ من قبل مهندسي الصفقة المشؤومة.
فلا يجدر بأبناء الفيحاء الاكتفاء بالاطمئنان إلى أن الأمر مجرد إشاعة؛ بل عليهم تحويل الرفض من همس في الصالونات إلى صوت مدوٍّ يسمعه القاصي والداني. حان الوقت ليرتفع في طرابلس نداء وطني جامع يقول إن المدينة كانت وستبقى جزءًا أصيلًا من لبنان الواحد.
ولعل كلمات النائب ريفي تُلخّص ما يجب أن يكون عليه يقين كل طرابلسي وكل لبناني: "طرابلس لبنانية أباً عن جدّ... ولبنان وطن نهائي لنا ولجميع أبنائه".
هذه العبارة ليست مجرد شعار، بل عقد انتماء ينبغي أن يتجدد وعي الجميع به.

في الختام، يشكّل تحذير اللبواني نفسه جرس إنذار: "إذا قررت القوى الدولية تقسيم سوريا واقتطاع جزء من ساحلها، سنأخذ نحن طرابلس وصيدا بالقوة". بمعنى آخر، إذا لم نبادر نحن، فغيرنا سيبادر ويفرض واقعه.
طرابلس اليوم مطالبة بأن تثبت أنها أكثر من مجرد رقم على خريطة التقسيمات. صمتها إن طال أكثر قد يضعها فعلًا بين فكي كماشة المشاريع الخارجية.
لكن صوتها إن ارتفع بالحق الوطني، فسيصعب على أي مخطط أن يتجاوز إرادة مدينة عريقة بموقعها ودورها.
القرار قرار أهلها في النهاية: إما الاستسلام لصمت يجعلهم أداة، أو التحرك بوعي ونهضة تجعلهم سدًا منيعًا في وجه التقسيم. الكرة في ملعبهم وملعبنا جميعًا… والتاريخ يراقب ويسجّل.

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen