من جيش لحد إلى "أبو شباب" رهان إسرائيلي على “خمر قديم في قوارير جديدة"
كَتبَ مروان جلّولفي مشهد يعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر التجارب المثيرة للجدل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ظهرت في جنوب غزة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة مليشيا محلية مسلحة تُعرف باسم "عصابة أبو شباب" هذه الظاهرة الجديدة – القديمة، أعادت إلى أذهان الكثيرين تجربة "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة أنطوان لحد، الذي قاتل بالوكالة عن القوات الإسرائيلية بين عامي 1976 و2000، في جنوب لبنان، قبل أن ينهار مع انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000.
و من هذا المنطلق سوف نقارن بين التجربتين من حيث ظروف النشأة والدور الوظيفي (العسكري والأمني والسياسي) المناط بهما، إضافة إلى الحاضنة الاجتماعية أو العزلة المجتمعية لكلٍ منهما، مع استعراض النتائج التي ترتبت على التجربتين وسيناريوهات الانهيار أو الاستمرار في كل حالة.
تأسس "جيش لبنان الحر" عام 1978 على يد الضابط المنشق سعد حداد، قبل أن يخلفه أنطوان لحد في القيادة ليصبح لاحقًا ب "جيش لبنان الجنوبي" أو كما يعرف "جيش لحد" و ذلك إبان الحرب الأهلية اللبنانية بدعم إسرائيلي مباشر، وكان دوره حماية "الشريط الحدودي" المحتل في الجنوب وخوض المعارك ضد المقاومة الفلسطينية ثم حزب الله مع بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان.
أما في غزة 2023، فجاءت “عصابة أبو شباب” كنتاج مباشر للفوضى العارمة التي أعقبت الحرب الإسرائيلية الشاملة على القطاع بعد 7 أكتوبر حيث تزعمها السجن الفار "ياسر أبو شباب" في رفح، حيث ادّعت أنها “خدمة مكافحة الإرهاب” لحماية قوافل الإغاثة، لكن السكان سرعان ما أطلقوا عليها تسمية “عصابة أبو شباب” نظرًا لسلوكها الإجرامي وعمالتها الواضحة للاحتلال.
فكما هو معروف كان الدور الوظيفي الموكَل لجيش لحد واضحًا ومزدوجًا: عسكريًا تكفّل بخوض المعارك ضد فصائل المقاومة الفلسطينية ثم مقاتلي حزب الله ضمن منطقة “الشريط الحدودي” المحتلة لا بل و إن عناصره يتورعوا عن ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأهالي، من اعتقالات وتعذيب وتنكيل كل ذلك بالوكالة عن الجيش الإسرائيلي الذي فضّل تفادي استنزاف جنوده بشكل مباشر.
على الصعيد السياسي، سعى الاحتلال إلى تقديم جيش لحد كواجهة لبنانية محلية موالية تحكم الجنوب، لكنه ظل يفتقر لأي شرعية حقيقية في عيون الشعب اللبناني.
بالعودة إلى "عصابة أبو شباب" فقد أسندت إليها مهمة أكثر حساسية تمثلت بالتقدّم أمام القوات الإسرائيلية داخل المناطق المقتحمة لتفتيش المنازل والأنفاق بالإضافة إلى تنفيذها مهام ميدانية، منها انتشال جثث أسرى إسرائيليين.
و لكن بمرور الوقت توسّع دور العصابة من مجرد لصوصية محلية إلى ذراع ميداني يعمل تحت إشراف ضباط الاحتلال.
في إطار استراتيجيات قديمة اتبعتها إسرائيل تاريخيًا ضمن مبدأ "عدو عدوي صديقي" منحت العصابة امتيازات خاصة، من حرية التنقل عبر معبر كرم أبو سالم سرعان ما إرتبط إسمها بأحداث أمنية عدة و كان أبرزها ما حصل في نوفمبر 2024، الهجمات التي تعرضت لها قافلة تابعة للأمم المتحدة مكونة من 109 شاحنات قرب معبر كرم أبو سالم، وسرقت 98 منها، إلا أنها تكتف بنهب المساعدات، بل شاركت، وفق ما أشار المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في إطلاق النار على مدنيين حاولوا الاقتراب من مراكز توزيع الإغاثة غرب رفح.
حيث قُتل 14 مدنيًا على الأقل في إحدى الحوادث، وكان المسلحون يرتدون زيًا موحّدًا يحمل شعار "جهاز مكافحة الإرهاب" بينما وقف الجنود الإسرائيليين دون تدخل الذين حملتهم تقارير أممية لاحقة مسؤولية “السماح العلني” للعصابة بالعمل.
فشل جيش لحد طيلة 22 عامًا في شرعنة نفسه شعبيًا، ولم يُنظر إليه إلا كمليشيا مرتزقة مهما حاول ترويج خطاب “حماية الأهالي" و وبحسب استطلاع أُجري في الضفة الغربية خلال الثمانينيات، فإن شعبية مشروع "روابط القرى" – وهو مشروع مشابه – لم تتجاوز 0.2% مقابل 86% لمنظمة التحرير.
والأمر ذاته بالنسبة ل "عصابة ابو شباب" التي تواجه بدورها عزلة شديدة فالمجتمع الغزي أخذ ينظرإليها كمجموعة خارجة عن القانون تستغل مآسي الحرب للعمالة والثراء.
حيث أن قبيلة الترابين التي ينتمي إليها أبو شباب سارعت التبرؤ منه علنًا بل وصل الأمر إلى إعلان أفراد عائلته إهدار دمه ورفض عودته إليهم بأي شكل.
ختاماً تشير كل المعطيات إلى أن مصير عصابة أبو شباب سيكون كمصير جيش لحد وسابقيه فالتاريخ لا يرحم العملاء بعد إنسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان سجل جيش لحد انهيارًا مدويًا و فرّ عناصره إلى إسرائيل، وتخلّت عنهم تل أبيب لاحقًا، بينما اعتبرهم اللبنانيون خونة.
أما في غزة فعصابة أبو شباب لا تزال مشروعًا قيد التشغيل فوجودها مرهون بإستمرار الإحتلال ما يعني أنها مؤقتة” وعاجزة عن الصمود أمام عودة قبضة حماس متى وضعت الحرب أوزارها.
فالمقاومة في غزة لا تزال متماسكة، والمجتمع الفلسطيني يرفض الانجرار إلى حرب أهلية داخلية رغم محاولات الإحتلال الحثيثة لإشعالها فالرهان الإسرائيلي مجددًا على أداة محلية لتقويض المقاومة من الداخل، هو كما يعتبره محللون إسرائيليون أنه رهان على “خمر قديم في قوارير جديدة".
فإن دروس الجنوب اللبناني ووعي الشارع الفلسطيني يشيران إلى أن الحسابات الإسرائيلية – مرة أخرى – قد تكون خاطئة في تقدير كلفة الخيانة والمراهنة على أدوات مأزومة اجتماعيًا ولو تنكرت في زي المساعدات أو حماية الأمن.