من "كامب ديفيد" إلى "عصابة أبو شباب" هل يُعيد الحرمان رسم الخطوط الحمراء؟
كَتبَ مروان جلّولفي عالم مضطرب، تصبح القيم أحيانًا ضحية الضرورة بدءاً من السياسة إلى المجتمع، و من الفرد إلى الدولة ومن بين أبرز الأمثلة مشهد العلاقات العربية-الإسرائيلية يشهد تحولات متسارعة، الذي غالبًا ما يترافق بضغط اقتصادي خانق، أو بفعل حسابات أمنية دقيقة.
فهل يمكن أن يدفع الفقر المجتمعات نحو قبول ما كانت ترفضه مبدئيًا؟ وما الذي يجعل بعض الدول أو الأفراد يعيدون النظر في ثوابت طالما اعتُبرت خطوطًا حمراء؟
أولاً القيم تحت الضغط: عندما يتحول المبدأ إلى رفاهية
في علم النفس الاجتماعي، تُعرف ظاهرة "تجاوز النفور تحت وطأة الحرمان" بأنها ميل الإنسان للتخلي عن بعض قناعاته الأخلاقية أو السياسية عندما تشتد الحاجة فقط لأنها باتت الوسيلة الوحيدة للنجاة.
في السياسة كما في الحياة اليومية، يتحوّل المبدأ إلى رفاهية حين يحاصر الإنسان الخوف والعوز و طبقاً للدراسات فإن
."الأخلاق قد تكون ترفًا لا يقدر عليه إلا من شبع"
المنطق ذاته يُطبق على الدول والمجتمعات فحين تحاصر دولة ما الأزمات الاقتصادية، أو تختنق تحت وطأة العزلة والعقوبات، تبدأ أولوياتها بالتبدل وحين يُختزل البقاء في قرارات مصيرية، تُعاد صياغة العلاقة مع "العدو" بلغة المصالح.
ثانياً من السلام مقابل الأرض إلى التطبيع مقابل المساعدات!
ظلّ التطبيع مع إسرائيل لسنوات طويلة من المحظورات السياسية في العالم العربي، مرتبطًا برفض شعبي عميق ينبع من عقود من الاحتلال والعدوان.
و لكن و للمفارقة فالعلاقات العربية الإسرائيلية شهدت محطات كان الإقتصاد فيها لاعبًا خفيًا لكنه حاسم.
و خير دليل على ذلك التجربة التي مرت بها مصر و ذلك بعد حربين مدمرتين، وقّعت الأخيرة أي مصر معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل.
فالإتفاقية لم تكن فقط نتيجة رغبة في إنهاء الصراع وإستعادة سيناء، بل أتت مدفوعة بوعد أميركي بمساعدات سنوية تخطت المليار دولار. هنا، لم يكن المبدأ وحده في المعادلة، بل لقمة العيش أيضًا.
في السودان، وقّعت الحكومة الانتقالية على اتفاق تطبيع ضمن اتفاقيات إبراهام (2020)، مقابل وعود أميركية بشطب اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتقديم مساعدات اقتصادية عاجلة. الرسالة كانت واضحة: طريق الخروج من الأزمة المالية يمر عبر بوابة تل أبيب.
إلا أنه في الخليج لم يكن الحافز فقرًا، بل حسابات أمنية واقتصادية في عالم متقلب فالإمارات نظرت إلى التطبيع بمنظور المكاسب الاقتصادية والتكنولوجية بالدرجة الأولى، وحققت تجارة ثنائية مع إسرائيل بـ6 مليارات دولار خلال 2020-2023.
أما البحرين، فرأت في الاتفاق تعزيزًا لأمنها في مواجهة تهديدات إقليمية (إيران) وكي لا ننسى فالمغرب شرعت أبوابها للتطبيع بعد اعتراف أمريكي بسيادتها على الصحراء الغربي في معادلة عنوانها: "التطبيع مقابل الاعتراف".
ثالثاً نموذج غزة: "عصابة أبو شباب" واليأس تحت الحصار
في خضم حرب الإبادة التي أرخت بظلالها على المشهد الغزي بعد السابع من أوكتوبر 2023 و في دوامة الفوضى، ظهرت عصابة مسلحة يقودها المدعو "ياسر أبو شباب"، الذي تحوّل من شخصية هامشية و سجين سابق بتهم جنائية إلى زعيم عصابة تتستر بعباءة حماية القوافل و العمل الإنساني و التي كان الهدف الأساسي منها هو محاربة حماس.
فإسرائيل، التي فوجئت بشراسة المقاومة على الأرض، بحثت عن وسائل "غير تقليدية" لتخفيف الضغط عن جنودها عبر تفعيل قوى محلية مناوئة لحماس كي تملأ الفراغ في المناطق التي تراجعت عنها قبضة المقاومة مؤقتًا بسبب القتال.
و في سياق متصل اعترفت مصادر في وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها بدأت تسليح إحدى العشائر في غزة بهدف "تقليل خسائر الجيش الإسرائيلي و هذا ما ذكره موقع تايمز أوف إسرائيل نقلًا عن مصادر دفاعية أن الأخيرة سلّمت جماعة "أبو شباب" بنادق كلاشنكوف (بما فيها أسلحة كانت قد استولت عليها من حماس) بموافقة من مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي.
هذا ما أكده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بقوله: "بتوصية من الأجهزة الأمنية قمنا بتفعيل عشائر في غزة تعارض حماس مردفاً إلى أن هذا الإجراء ينقذ حياة جنودنا.." خطوة رأها منتقدوه مقامرة خطيرة بمصير القطاع وإشعالًا لنار حرب أهلية داخلية
فما حدث في غزة ليس فقط اختراقًا أمنيًا، بل انهيارًا في منظومة القيم لدى شريحة من الناس اختارت الخبز على الوطن، مدفوعة بيأس مزمن وحصار دام أكثر من 15 عامًا.
أصبح "العميل" الذي كان يُحتقر سابقًا، زعيمًا مسلحًا يجد من يتبعه. إنه مشهد من قلب الانهيار: حين لا يعود للثوابت مكان بين الأنقاض.
رابعاً من كامب ديفيد إلى إبراهام: براغماتية البقاء على حساب القيم
لا تعتبر ظاهرة إعادة تشكيل القيم تحت الضغط حكرًا على الحالة الفلسطينية فقد شهد التاريخ أمثلة أخرى كشفت كيف أن الفقر أو الخوف الوجودي قد يدفع جماعات بشرية لتغيير بوصلتها.
إبان الحرب العالمية الثانية مثلًا، تعاون بعض المحليين في أوروبا مع قوات الاحتلال النازية تحت ضغط الجوع أو النجاة، فيما عُرف آنذاك بـ"المتعاونين" الذين برروا فعلتهم بأنها للنجاة من الموت.
و لكن في سياقنا العربي الحديث، بعد التجارب التي المحطات التي دفعت في كل من مصر و السودان و المغرب والإمارات و البحرين إلى التطبيع أثبتت أن الانهيار القيمي ليس ظاهرة شاملة، بل موضعية، تظهر في مناطق الضغط الشديد أو لدى فئات تستفيد من الوضع الجديد و أن المزاج الشعبي مازال رافضًا لإسرائيل رغم الخطوات الرسمية حيث أن استطلاعات عديدة تؤكد أن غالبية العرب ما زالوا يعتبرون إسرائيل دولة احتلال، وأن التطبيع لا يُغير من قناعتهم.
لكن الخطر لا يكمن في القرار الرسمي، بل في تآكل القيم الاجتماعية مع الوقت.
فحين ترتبط فرص العمل، والدواء، والاستقرار، بعلاقات مع الاحتلال، تبدأ المسافة الأخلاقية بالتقلّص ما يدفع بالبعض إلى تبرير التطبيع كضرورة مرحلية، الذي قد يعتبره آخرون "تنازلًا استراتيجيًا" يصعب تداركه.
ختاماً بين صمود القيم وضغط الواقع ماذا نختار؟
ما بين كامب ديفيد واتفاقيات إبراهام، ومن عصابة أبو شباب إلى سياسات التطبيع الخليجي، تظهر خريطة جديدة تعيد ترتيب أولويات العالم العربي.
الخبز، الأمن، والاستقرار، باتت كلمات تتقدم أحيانًا على العدالة، والمقاومة، والحق.
في النهاية، يبقى التمسك بالقيم تحت الضغط اختبارًا لصلابة الهوية الجمعية.
وكلما نجح مجتمع في توفير شبكة أمان لأفراده، قلّ احتمال انهيار قناعاتهم أمام الإغراء أو الإكراه.
وبين مطرقة الحاجة وسندان المبدأ، ستظل الشعوب العربية تصارع لتوازن بين متطلبات البقاء المادي وواجب الوفاء لقضاياها – وهذا التوازن الدقيق هو ما يصنع التاريخ في نهاية المطاف.