بعد غياب الحريري.. "القوات" تلعب في انتخابات بيروت
كَتَبَ المُحرّرتتّسم الانتخابات البلدية والاختيارية هذا العام والّتي جاءت بعد تسويفٍ وتأجيلٍ لثلاث مرّاتٍ متتالية، ببُعدٍ استثنائيّ لم يسبق له مثيل في الانتخابات السّابقة، فهي وإلى جانب حيثيّتها في السياق الديمقراطيّ، باتت أيضًا بمثابة مؤشّر مبكّر على المناخ السّياسيّ الذي قد يسود في الانتخابات النيابيّة المقبلة وسط تحوّلاتٍ جذريّة وطارئة في المشهد اللبنانيّ، وخاصة بعد عزوف تياري "المستقبل" و"الوطني الحر" عن المشاركة فيها.
وقد تكون انتخابات بلديّة العاصمة بيروت، على وجه الخصوص، المرآة الأكثر وضوحًا لملامح المعركة النيابية في العام المقبل، كونها تضم معظم الطوائف والأحزاب؛ ففي ظلّ حالة اللااستقرار السياسيّ والاقتصاديّ التي تُخيّم على لبنان منذ سنوات، تتحرّك الأحزاب التقليديّة في العاصمة على قاعدة ضرورة التحالف، ولو كان ظرفيًّا وهشًّا، بين قوى مختلفة التوجّهات، في محاولةٍ لتأمين موقعٍ في المجلس البلديّ المرتقب، مع التوجّه لتشكيل لائحةٍ مكتملة واحدة، سعياً لتأمين وضمان الشراكة والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين باعتماد النموذج الحريري تجاه هذا الاستحقاق، وذلك بعدما بات من شبه المستحيل فرض قانونٍ انتخابيّ جديد واستبعاد مقترحات تتعلق باللائحة المقفلة التي تحول دون تشطيب الأسماء من أجل تحقيق هذه المناصفة.
وبات واضحًا أن الجميع يلجؤون لتشكيل لائحة ائتلافية في محاولة لتفادي معركة بيروت، كون عواقبها ستكون وخيمة على التوازنات الطائفية، وذلك من خلال تحالف يلوح في الأفق يمهد له بلقاءات مكثّفة تجمع خُصوم الأمس وحلفاء اليوم، ما يكشف عن عُمق الأزمة التي تمرّ بها القوى السياسيّة التقليديّة في لبنان.
وعليه، جرت لقاءاتٌ مباشرة بين غالبيّة الأحزاب والشخصيات المسيحية، والأحزاب السنيّة باستثناء تيار المستقبل وشخصيّات سياسيّة وماليّة بارزة مثل فؤاد المخزومي وبعض النوّاب التغييريّين في بيروت بالإضافة الى الثنائيّ الشيعيّ، لتشكيل هذه اللائحة.
ويبلغ عدد الناخبين في بيروت 511 ألفاً و360 ناخباً، 66.5% منهم من المسلمين مقابل 33.5% للمسيحيين. ويشكل الناخبون السنة الثقل الأبرز في الانتخابات البلدية التي تُخاض وفقاً لدائرة واحدة، ولا تقسم إلى دائرتين كما في الانتخابات النيابية. ويبلغ عدد الناخبين السنة وفقاً للباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين 252,868 ناخباً، أي 49.5% من مجموع الناخبين، بينما يبلغ عدد الناخبين المسيحيين مجتمعين 171,102 ناخب أي ما نسبته 33.5%. ويأتي الشيعة في المرتبة الثالثة بنسبة 15.8% (81,074 ناخباً) والدروز بـ 1,2% (6066 ناخباً) والعلويون بـ 0,04% (250 ناخباً).
ومع تعليق رئيس تيار المستقبل سعد الحريري عمله السياسي وغيابه عن الساحة منذ ثلاث سنوات ونيف، وبعد إعلانه عن عدم التدخل في الانتخابات، لا ترشيحاً ولا تأييدًا، تشهد بيروت محاولات تشويه لدورها ومحاولات السيطرة على قرارها وقرار أهل السنّة فيها من فئة باتت معروفة للجميع، ألا وهي حزب "القوات اللبنانية"،عبر سجال طائفي ومذهبي غير مسبوق، إذ أخذت "القوات" تمارس على القوى البيروتية أعلى درجات النكد السياسي في مغزى واضح هدفه التخريب ليس أكثر. وهذا ما فعلته في غالبية البلديات المشاركة فيها، وليس آخرها انقلابها على تفاهمها مع رئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف في زحلة من أجل كسب مقعدين إضافيين.
وتبدّت خلال المفاوضات إشكاليّة تمثيل المسيحيين في بيروت الثانية (رأس بيروت وزقاق البلاط)، فيما ترفض "القوات" هذا الطرح، وهو ما أدّى إلى انزعاج الثنائي وبعض الكتل السنّية من محاولة "القوات" الاستئثار باللائحة بالتنسيق مع بعض الأطراف السنّية، علماً أن بعض القوى السنّية المتحالفة مع الثنائي و"التيار الوطني الحر" تمتلك القوة التجييرية لتشكيل لائحة لديها أفضلية الفوز. وإلى ذلك، تتحدث معلومات عن رسالة سعودية وصلت إلى معراب تطلب عدم التحالف مع الحريري، ما يطيح بكل المساعي السابقة نحو التوافق، ويحمّل "القوات" مسؤولية الإطاحة بالمناصفة أمام المجتمع البيروتي المسيحي.
ولا ننسى أن هذه الفئة من اللبنانيين من سيئي النية وقناصي الفرص "المتطرفين"، كانت أساساً في التآمر على سعد الحريري عند السعوديين وإحراجه حتى إخراجه من الحكومة، وهي تحاول الآن الاستثمار في الانتخابات عبر طروحات فاشلة لمصادرة قرار بيروت، ظنًا منها أنها سترث الحريرية ودور الشيخ سعد السياسي والشعبي، ناسية أو متناسية أو ربما لا تفقه بأن الحريرية حالة وطنية وليست فقط سياسية، ولا يمكن لأحد وراثتها من باب اللعب على المشاعر الطائفية والمذهبية لأن هذه اللعبة سلاح ذو حدين.
وما دامت الأمور تُحسب طائفياً ثبتت الأيام وتثبت كل يوم للقاصي والداني بأن الطائفة السنية هي الرقم الصعب سواء في بيروت أو في لبنان كله، سواء أعجب ذلك هذه الفئة الموتورة والملتحقين بها وبمشروعها من ضعاف النفوس أم لا. هؤلاء الذين باتوا يحلمون بأن التطورات الإقليمية التي حصلت بعد حرب غزة والعدوان الإسرائيلي البربري على لبنان، قد تساعدهم على الانقلاب على الميثاق الوطني الذي أُقر في اتفاق الطائف، واللعب على التناقضات الطائفية والحزبية، من حيث محاولة "تلزيم" السُنة والبلد مرة أخرى، إن صح التعبير، لطرف إقليمي.
إذًا، ما يحصل اليوم في بيروت على خلفية الانتخابات البلدية، والبلد على ما هو عليه من انهيار ومحاولات يقوم بها العهد الجديد والحكومة لتعويمه، يثبت بأن البعض وعلى رأسهم حزب "القوات" لم يزل في عقلية ما قبل الحرب الأهلية، ولم يفهم بعد كل التجارب والمآسي بأن هذه الممارسات التي تنطلق من خلفية سياسية كيدية لا وطنية للأسف، هي التي تفتح الكوة للتدخلات الأجنبية.