الأخبار _ مديرية التعليم العالي: رسوم «غير قانونية» بحجة غياب السيولة
فاتن الحاجبحجة الحلول المرنة، تستوفي المديرية العامة للتعليم العالي رسوماً لقاء امتحانات الكولوكيوم ومعادلة شهادات الطلاب العراقيين، استناداً إلى مصطلح - بدعة غير مألوفة قانوناً - هو «الهبة النقدية المشروطة من الواهب»، والتي تسمح بوضع الأموال بتصرف المديرية في حساب خاص لدى شركة استلام وتحويل الأموال OMT، ومرتبطة حصراً بموافقة وزير التربية، بناء على اقتراح موظف مكلف بمتابعة شؤون مديرية التعليم العالي، وليس مديراً عاماً بالتكليف، ومن دون المرور بالخزينة العامة!
وكانت هذه الرسوم المتوجبة على الطلاب المعنيين في كلتا الحالتين قد أثارت تساؤلات عدة، في الآونة الأخيرة، بشأن قانونية استيفاء مديرية التعليم العالي لهذه المبالغ، وما إذا كانت تمر عبر الخزينة العامة، ومن المستفيد منها، وما هو مجموع المبالغ المستوفاة حتى تاريخه؟
وانطلاقاً من قانون حق الوصول إلى المعلومات الرقم 28/2017 وتعديلاته وطلباً للشفافية والإصلاح، توجهت «الأخبار» بكتاب رسمي إلى وزيرة التربية ريما كرامي (سجل في القلم تحت الرقم 11/1754 بتاريخ 14 آذار 2025) تطلب فيه الإجابة على هذه التساؤلات، والتي حصلت عليها ضمن المهلة القانونية.
في الشكل، استوقف «الأخبار» أن تحيل كرامي الكتاب إلى المكلف متابعة شؤون إدارة المديرية العامة للتعليم العالي مازن الخطيب للإجابة عليه، فيما درجت العادة أن يجيب المخاطب على الكتاب بنفسه، ما يطرح علامة استفهام بشأن تجنّب الوزيرة تحمّل المسؤولية الكاملة عن المضمون لأسباب مجهولة. وفي الشكل أيضاً، أحالت كرامي الكتاب إلى الخطيب بصفته المدير العام للتعليم العالي، فيما الأخير ليس لديه هذه الصفة، وإن كان يمارسها حالياً ويقوم، بما يخالف القانون، بكل صلاحيات المدير العام بما في ذلك تحضير جلسات مجلس التعليم العالي ومخاطبة مؤسسات التعليم العالي الخاصة وغيرها من المهمات، ما يثير التساؤل بشأن ما إذا كان رأس الهرم الإداري في الوزارة ليس على بيّنة من الصفة الوظيفية للموظفين في وزارته.
أما في ما يتعلق بمضمون الرد، فيشير الخطيب إلى أن السند القانوني الذي تستوفى على أساسه رسوم الكولوكيوم (ومنها قيمة رسم الطابع المالي المحدد بـ 20 ألف ليرة لكل إفادة، وبينها ضمناً الإفادة الأصلية للنجاح في امتحانات الكولوكيوم، وإفادة طبق الأصل عن إفادة النجاح، وإفادة المعادلة، و50 ألف ليرة في ما يخص الإفادة الأصلية للمعادلة) هو: القانون الرقم 324 بتاريخ 12/2/2024 (الموازنة العامة لعام 2024)، والمادة 53 من القانون 107 بتاريخ 23/7/1999 (قانون الموازنة لعام 1999).
مع العلم أن المادة 53 تنص على الآتي: «يخصص لكل وزارة أو إدارة أو مؤسسة عامة، أو وحدة إدارية، مبلغ محدد لتنفيذ مشاريعها وبرامجها، وفقاً لأحكام هذا القانون، ولا يجوز لأي من هذه الوحدات أن تتجاوز الاعتمادات المخصصة لها إلا بقرار من مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح الوزير المختص». أما قانون موازنة عام 2024، فهو يتعامل مع قضايا اقتصادية ومالية حديثة ومستجدة تخص الوضع المالي في لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة، أي إن موازنة عام 2024 تضمنت، بحسب المحامي جاد طعمة، إصلاحات وإجراءات تقشفية أو سياسات ضريبية جديدة، «وهي مختلفة تماماً عن موازنة عام 1999، التي كانت تهدف بشكل رئيسي إلى تخصيص الأموال للمشاريع والبرامج الحكومية وفقاً للحدود المحددة»، وهو يدفع إلى القول إن في الإجابة «خلطاً متعمداً لإضفاء بُعد قانوني على الرسوم».
ليس معروفاً ما إذا كانت الأموال تخضع لرقابة ديوان المحاسبة أم لا
أما الـ 20 دولاراً التي تتقاضاها المديرية من ممتحني الكولوكيوم، فيبررها الخطيب بـ «انهيار قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وتدني قيمة الاعتمادات المرصودة لتغطية نفقات امتحانات الكولوكيوم، لا سيما تعويضات اللجان الفاحصة القائمة بوضع أسئلة الامتحانات الخطية، والتصحيح، وإجراء الاختبارات الشفهية والعملية، وتغطية أعمال المراقبة التي يقوم بها موظفون من الجامعة اللبنانية، ومن المديرية العامة للتعليم العالي، والخوف من عدم توافر الاعتمادات المالية اللازمة، والاستجابة لمبادرة رابطة جامعات لبنان تقديم هبة مشروطة بإرادة الواهب إلى وزارة التربية، هي عبارة عن مساهمة يقدمها الطالب المعني بالامتحانات وقدرها 20 دولاراً.
وبناء عليه، أعدت الوزارة الملف اللازم وأحالته إلى مجلس الوزراء، فأصدر المرسوم 13855 بتاريخ 21/8/2024 الذي نص على وضع هذه الهبة بتصرف المديرية العامة للتعليم العالي في حساب خاص لدى شركة استلام وتحويل الأموال، وعلى آلية الصرف لجهة حصرها بوزير التربية والتعليم العالي، وفقاً لقرارات يصدرها لهذه الغاية، بناء على اقتراح المدير العام للتعليم العالي. ووصلت قيمة المبالغ المودعة في حساب المديرية العامة للتعليم العالي لدى شركة استلام وتحويل الأموال عن دورتي امتحانات الكولوكيوم الأولى والثانية وحتى تاريخه 77 ألفاً و320 دولاراً».
السؤال الأساسي الذي يطرحه طعمة هنا هو حول «مدى جواز وقانونية تخصيص حساب خاص لوزارة التربية لدى شركة تحويل الأموال، وأن يكون هناك مال عام بإمرة شركة خاصة، إضافة إلى ابتداع مصطلحات غير مألوفة في القانون، مثل «هبة نقدية مشروطة»، تماماً كما استحدثت المدارس الخاصة مصطلح «الدعم المدرسي» لتقاضي مبالغ مالية خيالية بالدولار الأميركي خارج الموازنة المدرسية». والواهب هنا، بحسب طعمة، هو الطالب، وشرط الهبة أن يقدمها الأخير بإرادة منفردة، لا أن يفرض الموهوب إليه الشروط عليه.
وفي ما يتصل بالرسم المتوجب على الطالب العراقي لقاء معادلة شهادته، تستند المديرية العامة للتعليم العالي إلى «بروتوكول تعاون بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق ووزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية، حدد بموجبه البدل عن كل طلب معادلة بـ 50 دولاراً يدفعه الطالب إلى الجامعة التي يلتحق بها، على أن يقوم مندوب الجامعة بإيداع المبالغ المحصلة من الطلاب العراقيين في حساب المديرية العامة للتعليم العالي لدى شركة استلام وتحويل الأموال OMT، وقد كرس اتفاق التعاون بصدور المرسوم 11311 بتاريخ 15/5/2023، باعتبار تلك المبالغ أيضاً «هبة نقدية مشروطة بالتقيد بإرادة الواهب».
وهنا يقر الخطيب بأن الأموال «تذهب لدفع بدلات أعمال إضافية للموظفين بعد الدوام، من أجل إنجاز الأعمال المتراكمة المطلوبة أمام الكم الكبير من الطلاب». ويشير إلى أن «قيمة المبالغ المحصلة إنفاذاً للبروتوكول بلغت حتى نهاية عام 2024 نحو 772 ألفاً و950 دولاراً أميركياً».
المفارقة أن يصف الخطيب هذه العمليات المالية الجارية في وزارة التربية بـ«الحل المرن»، المرتبط حصراً بموافقة وزير التربية، والذي يغني، في رأيه، عن المرور بالخزينة العامة «حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال تأمين السيولة المالية الخاصة لامتحانات الكولوكيوم ولأعمال المصادقة الجامعية ضمن موازنة المديرية العامة للتعليم العالي، خصوصاً أن هذه الموازنة لا تصدر إلا من حين إلى آخر، ويتطلب إنفاقها المرور بآليات وشروط تمنع الموظفين من تقاضي أعمال إضافية ومكافآت».
واستغرب طعمة أن لا يذكر رد المديرية العامة للتعليم العالي ما إذا كان ديوان المحاسبة على اطلاع على هذه العمليات أم لا، باعتبار أن كل أمر يتعلق بالمال العام يجب أن يخضع لرقابة الديوان المسبقة أو اللاحقة، ما يطرح السؤال عما إذا كانت وزارة التربية تتجاوز هذا الجهاز الرقابي. كما إن توزيع الأموال على الموظفين يفتح النقاش ما إذا كان هناك محظيون يتقاضون أموالاً من خارج الرواتب دون آخرين، ما يضرب مبدأ المساواة.