الرئيس عون: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها
28 شباط 2025

الرئيس عون: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها

تطرق رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى خططه للإصلاح وفرض سيادة الدولة، وشكل علاقاتها الخارجية في المرحلة الجديدة. وقبل أيام من زيارته المرتقبة إلى السعودية، أبدى الرئيس عون رغبة في أن يكون لبنان ضمن “رؤية السعودية 2030″، مشيداً بالتحرك السعودي الذي قاده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لإنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان”.

وقال عون رداً على سؤال عما هو الأصعب، الإقامة في قيادة الجيش أم الإقامة في القصر الجمهوري: “لكل منهما ظروفها. مؤكد في قيادة الجيش كان النطاق كله هو العمل العسكري والأمني والعلاقات مع الجيوش الأخرى في الخارج. ولكن هنا في القصر أصبح عندك نطاق أوسع. وعليك أن تتعاطى بالشأن الاقتصادي والشأن الديبلوماسي والشأن الأمني، وبالعلاقات مع الدول، أما في قيادة الجيش فلديك مساحة لحرية الحركة. مثلاً يخرج قائد الجيش يتفقد المراكز وعسكرييه، ولكن هنا (هو) مُقيد كثيراً بالبروتوكولات وبالمواعيد التي تأتيه. وأكيد أتيت من مدرسة تختلف عن مدرسة أخرى؛ مدرسة انضباط مدرسة عسكر، إلى مدرسة في حاجة إلى الانضباط، ولكن لها مقاربة تختلف عن الأولى”.

وتابع: “نعود لنقول، في العسكرية، لديك مدرسة كلها من العقلية نفسها، الضباط والعسكر يتخرجون في المدرسة العسكرية نفسها بالانضباط نفسه، وهناك القضاء العسكري. ولكن أكيد المدرسة السياسية أو الديبلوماسية تختلف مقاربتها كلياً. ففي العسكرية هناك أمر، وهنا ليس هناك أمر؛ عليك أن تجرب العمل الديبلوماسي الذي يلعب دوراً أكثر من غيره، هناك واحد زائد واحد يساوي اثنين، ولكن هنا (في السياسة) واحد زائد واحد يمكن أن يساوي صفراً… ويمكن عشرة، ويمكن مائة”.

أضاف: “لبنان تعب. واللبنانيون تعبوا من حروب الآخرين على أرضهم. أصبح يستحق أن تكون لديهم نقاهة اقتصادية وسياسية، وتعبوا من تحارب السياسيين ومسؤوليه. وربما بعض الأصدقاء تعبوا منا، وهذا كان الهدف من خطاب القسم وهو بناء الدولة. ونحن توجهنا إلى الشعب بمعاناته”، مشيراً إلى “أنني عشت أربعين سنة في الجيش، منها ثماني سنوات قائداً للجيش، وخدمت بكل المناطق وعايشت معاناة العسكر واللبنانيين. وكانت هذه المعاناة والتجربة هي خطاب القسم”.

ولفت إلى أن “نسعى إلى أن تكون كل علاقاتنا مع كل الدول من الند للند، وفقاً للاحترام المتبادل. وليست علاقة دولة مع فريق من السياسيين أو فريق من اللبنانيين. يجب أن تكون الصداقة الإيرانية مع كل اللبنانيين والعكس صحيح. تحت قاعدة الاحترام المتبادل، أهلاً وسهلاً”، قائلاً: “هدفنا بناء الدولة، فلا يوجد شيء صعب. وإذا أردنا أن نتحدث عن مفهوم السيادة، فمفهومها حصر قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة، واحتكار السلاح أو حصر السلاح بيد الدولة. فإذا كان هذا المبدأ السياسي جميعنا ننادي به، فإذن ليس هناك شيء صعب أبداً”.

وقال: “نضع الهدف والمسار، ونذهب إلى الاتجاه الصحيح. متى يتحقق؟ أكيد الظروف ستسمح، والظروف تتحكم بطبيعة الأمر بتحقيق الهدف الأساسي. وأكيد مع انتشار الجيش على مساحة الأراضي اللبنانية كافة”، مضيفاً: “ما الهدف من استراتيجية الأمن الوطني؟ الهدف منها وضع خطط لاستعمال عناصر القوة كافة بالدولة اللبنانية لتحقيق الغرض الأساسي للدولة، سواء بناء علاقات مع دول أخرى، أو حماية الدولة من أي تداعيات أو نزاعات بالداخل أو على الحدود”.

لفت إلى أن “استراتيجية الأمن الوطني – دعنا نتوسع فيها بعض الشيء – هي ليست للعمل العسكري فقط، بل تتضمن الاقتصاد والمال والإعلام والعمل العسكري”، مشيراً إلى أن “الاستراتيجية الدفاعية ضرورية؛ لأن عليك أولاً أن تحدد مهمة الجيش. هل هو منوط به فقط حفظ الأمن؟ هل هو منوط به الحدود؟ هل الأمران؟… فإذا تحددت له المهمة، على أساسها يضع الجيش خططه. ما هو العتاد المطلوب؟ ما هو العدد المطلوب؟ ما هي التجهيزات؟، وكيفية وضع الخطط لمواجهة أي اعتداء داخلي أو خارجي”.

أضاف: “استراتيجية الأمن الوطني تحاكي الواقع؛ وتضعها كل دولة حتى ولو لم يكن هناك عدو أو اعتداءات أو تداعيات على حدودها أو بالداخل. وكما قلت، هي لا تتعلق فقط بالعمل العسكري، وإنما تتعلق بمقدرات الدولة كافة أو عناصر القوة بالدولة”، لافتاً إلى أن “هدفنا أن تصبح الدولة فقط هي المسؤولة. وهذه واجبات الدولة. انتهى، ولم يعد مسموحاً لغير الدولة القيام بواجبها الوطني في حماية الأرض وحماية الشعب. ليس مسموحاً لأحد آخر لعب هذا الدور. عندما يصبح هناك اعتداء على الدولة اللبنانية، الدولة تتخذ القرار، وهي ترى كيف تجند عناصر القوة لصالح الدفاع عن البلد”.

وقال الرئيس عون: “مهمة الدولة أولاً، وهي صاحبة القرار يجب أن تكون. وإذا الدولة احتاجت ووجدت أن هناك ضرورة للاستعانة بالآخرين بشعبها، فهي تتخذ القرار، هذا هدفنا، وهذا ما تطرقنا إليه في خطاب القسم. أعود لأقول: ليس الموضوع وجود أعداء على حدودك أم لا… فأي دولة بالعالم، مثلاً دول أوروبا، لا بد أن تكون عندها استراتيجية أمن وطني. كل أربع أو خمس سنوات أو ربما كل عهد يضع استراتيجية أمن وطني؛ حتى يتمكن الرئيس الذي يبدأ من إعلان خططه الاقتصادية والدبلوماسية والمالية وفي الإعلام، وبشأن حفظ الأمن بالداخل، وحتى يعرف الجيش مهمته بالضبط. لا يمكنك أن تقول للجيش مهمتك ليست محددة. عليك أن تطلب منه بناء وتجهيز نفسه، والتدريب ووضع الخطط، وفقاً للمهمة التي تحددها الدولة؛ بالنهاية الجيش يخضع لسلطة السلطة السياسية.

وتابع: “السياسة بنت الظروف، والظروف تفرض نفسها. أكيد هذا هدفنا. بالأمس الحكومة نالت الثقة، ومؤكد سنبدأ العمل لتحقيق هذه الأهداف”، ودعني أكن واضحاً في موضوع القرار 1701. رئيس الجمهورية ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ملتزمون بتطبيق 1701 منذ العام 2006؛ فإذن هذا ليس محل بحث. نحن ملتزمون بتطبيق القرار، وبدأنا به في الجنوب وأعطيناه الأفضلية. وإذا نظرت إلى الأراضي اللبنانية كافة؛ فالمخيمات التي هي خارج ما يسمى “المخيمات الطبيعية” كلها تم تفكيكها ونزع السلاح منها. نتابع التركيز على الجنوب وهناك تعاون من الجميع، ولاحقاً نعود إلى مرحلة أخرى؛ لأننا نريد أن نمشي خطوة بخطوة لنحقق هذا الشيء”.

وأكد أن “الدولة بمؤسساتها كافة ملتزمة بتطبيق القرار 1701. ولكن لا يمكنني إعطاء توقيت محدد. فكيفما تتحرك الظروف نحن جاهزون، نريد سرعة وليس تسرعاً وملتزمون بتطبيق القرار 1701 على كامل الأراضي اللبنانية وبكل ما يقوله القرار 1701”.

وبالنسبة إلى تطبيقه، أوضح الرئيس عون أن “في الجنوب التجاوب كامل. وهنا أريد أن أثني على خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الذي أشار في محطات عدة بكلمته إلى الدولة. وقال: “المقاومة هي أساس وخيارنا الإيماني والسياسي. سنتابع تحرك الدولة لطرد الاحتلال ديبلوماسياً”. ويعود ليقول: “سنشارك في بناء الدولة القوية والعادلة، وسنشارك في نهضتها وتحت سقف اتفاق الطائف”، ويعود ليقول: “لبنان بالنسبة لنا وطن نهائي لجميع أبنائه”. هذه مقدمة الدستور. ويرجع ليقول: “نؤمن بدور الجيش الكبير في الدفاع عن السياسة والأمن. لا يوجد رابح ولا يوجد خاسر. فلنتنافس لخير البلد والناس. وهذا أفضل لنا جميعاً، وأيضاً الثقة التي أعطتها كتلة “الوفاء المقاومة”، ومواقف رئيسها الحاج محمد رعد وحكيه عن الانفتاح على الحوار ومسؤولية الدولة بالعمل الديبلوماسي، كله تطور إيجابي كبير يُبنى عليه”.

أضاف: “بطبيعة الحال، يمكن أن نتعرض لضغوط. ولكن (التعامل مع) أي ضغط يأتينا يخضع للتوافق الوطني. وحتى الآن لم نرَ أي ضغط أساسي بكل صراحة. كل المطلوب تطبيق القرار 1701، كل المطلوب الإصلاحات. وهذه نراها مطالب وليست ضغوطاً، والإصلاحات مطلب الدول كافة ومن ضمنها أميركا. الإصلاحات الاقتصادية، والمالية، ومحاربة الفساد وما إلى ذلك. هذه ليست ضغوطاً، هذه مساعدة على بناء الدولة، وأنا لا أراها ضغوطاً”.

وعن تشكيل الحكومة قال: “لم يكن صعباً. بدليل أنها تشكلت بسرعة، وبالنهاية هذا لبنان. وعليك أن تتشاور مع الأفرقاء كافة، ويحدث أن تكون هناك طلبات. وهذا طبيعي. لكن أنا ورئيس الحكومة نواف سلام، وأكيد بالتعاون مع رئيس البرلمان نبيه بري، كان هدفنا الأساسي تشكيل حكومة تكون بحجم آمال الشعب، وتألفت الحكومة، وعليكم أن تحكموا غداً على أدائها وإنجازاتها”.

وشدد على أن “العلاقة مع سلام أكثر من ممتازة، ودائماً على تواصل وتشاور، وستستمر كذلك لمصلحة لبنان”.

وعن أموال المودعين قال الرئيس عون: “ذكرت هذا في خطاب القسم، وقلت: “عهدي ألا أتهاون في أموال المودعين”. أكيد هذا الموضوع ضروري، ومن المهم معالجته بالتعاون مع الهيئات الاقتصادية، والمودعين، والمصارف والدولة. هذا أيضاً ضمن خريطة الطريق في خطاب القسم، وهذا حق طبيعي”.

وتابع: “إن شاء الله سنرى الدولة دولة ونرى القضاء قضاءً لا يخشى محاكمة مرتكب، وهذا هدفي. وفي كل لقاء مع الوزراء كافة، أطلب منهم أن يتخذوا القرارات التي تناسب مصلحة الدولة والوطن، لا مصلحة الأحزاب أو الطوائف، وأياً كان ما يطلبونه مني فأنا معهم، وبخاصة القضاء. كل تعبي ونظري وعملي سيكون على القضاء”.

وشدد على أن “عندما يكون عندك قضاء بكل معنى الكلمة، فكل الأمور الباقية تُعالج. وأخيراً زرت “هيئة مكافحة الفساد” وأبلغت مسؤوليها بأن عليهم أن يضربوا بيد من حديد… وقلت: “أنتم سيفي للإصلاحات، ولا تسألوا ولا تردوا على أي سياسي، ولا تتأثروا بالإعلام أو السوشيال ميديا، نفذوا واجباتكم و(حكّموا) ضميركم وفقاً للمستندات المتوفرة بين أيديكم، وإذا تعرَّض لكم أحد، فتعالوا إلى عندي”، أريد بناء دولة لأولادي وأولاد أولادي ولأجيال المستقبل، وحتى لا يرحل من بقوا هنا، ويعود من هم في الخارج… والإصلاح يبدأ بمحاربة الفساد الذي أصبح ثقافة. لبنان ليس مفلساً بصراحة. في لبنان، للأسف مسؤولون أساءوا إدارة مقدرات الدولة، ومؤكد أن مكافحة الفساد هي جهدي الرئيسي، وعيني على كل الأمور، وإن شاء الله الأيام ستظهر”.

وأشار إلى “أننا تعبنا من الحرب، ومؤكد أن العمل الديبلوماسي أيضاً يلعب دوره؛ لأن أدوات السياسة هي: الديبلوماسية والاقتصاد والعسكرية. الآن نحن بمرحلة العمل الديبلوماسي؛ ولكن إذا كان لا بد من نزاع عسكري فسيكون بيد الدولة. القرار يكون بيد الدولة. نحن نتمنى أن ننتهي من النزاعات العسكرية، وننهي كل مشاكلنا بالجهود الديبلوماسية، ولكن دائماً نحن – العسكريين – نحسب دائماً حساب الأسوأ. وفي حال كان الأسوأ النزاع العسكري، يكون على الدولة، ومهمتها هي القرار”.

ولفت إلى “أننا لم نفاجأ بمعنى المفاجأة لأنك تتوقع دائماً الأسوأ منه، ومؤكد يزعجنا لأنه هناك اتفاق تم توقيعه للطرفين برعاية أميركية وفرنسية كان المفترض الالتزام به، وكان من الواجب احترام التوقيع. وعندما طُلب أن نمدد المهلة، وافقنا بشرط أن يكون 18 شباط هو الانسحاب النهائي، ولكن مثل العادة لم يتقيد الطرف الإسرائيلي بالاتفاق وبقي بعضه موجوداً هناك. والآن نحن على اتصالات دائمة مع الفرنسيين والأميركيين للضغط على الإسرائيليين حتى ينسحبوا من النقاط الخمس؛ لأنها ليست لها قيمة عسكرية”.

وأوضح أن “بالمفهوم العسكري القديم قبل أن يكون هذا التطور التكنولوجي، كانت الجيوش تفتش عن التلة لأنها تعطيك تحكماً عسكرياً ومراقبة، ولكن بوجود التكنولوجيا والمسيّرات في الجو، والأقمار الاصطناعية، فقدت (التلة) قيمتها كلها، يعني إذا قلنا نريد الاستيلاء على هذه التلة ويجلس عليها عسكري لمراقبة الوادي، يمكن أن يرى 200 إلى 500 متر، ولكن عندما يكون لديك مسيّرات في الجو وأقمار اصطناعية، تكشف البقعة كلها وأنت وراء مكتب مرتاح؛ فإذن القيمة العسكرية انتفت ولا لزوم لها، ولا تؤمّن أي قيمة استراتيجية أو عملياتية أو أمنية للطرف الإسرائيلي”.

وقال: “إذا كانت الإدارة الأميركية، حتى الآن، لم تضغط على الإسرائيلي ليغادر الأراضي اللبنانية، فهذا معناه إما أنها لا تريد، أو تنتظر اللحظة المناسبة… لا أعرف، والعلاقة مع أميركا ضرورية بكل صراحة. فيما يخص مساعدات الجيش، لا تزال المساعدات مستمرة، ورأينا في آخر فترة عندما أصدر الرئيس دونالد ترمب قراراً بوقف المساعدات كافة استثنى الجيش اللبناني. ونحن 90 في المائة من المساعدات المالية والتدريبية والتجهيزات تأتينا من الدولة الأميركية. وفيما يخص هذه النقطة، عندما كنت قائداً للجيش كنت اُتهم بأنني لا أحصل على مساعدات إلا من أميركا؛ وأنا قلت لهم: أي دولة مستعدة تقدم ببلاش للجيش اللبناني أهلاً وسهلاً فنحن ليس معنا أموال لندفع”.

أضاف: “العلاقة مع أميركا ضرورية، فوضعها معروف على المسرح العالمي، قوة عظمى وعضو في مجلس الأمن ودولة مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط، فإجباري يجب أن تكون على علاقة جيدة مع أميركا وعليك أن تتوقع كل شيء في السياسة. إذا الرئيس ترامب أراد الالتزام بكلامه، وأنه لا يريد الحرب بل السلام، فمن الضروري ألا تذهب الأمور إلى حالة الصدام. فإذا كان صراعاً ضمن حدود الديبلوماسية فليكن”.

ولفت الرئيس عون إلى أن “الاستراتيجية الوطنية هي أهم رد لهذا الإطار. وتعالج هذا الأمر”.

وعن اختياره السعودية وجهةً أولى في زياراته الخارجية، أوضح أن “هناك العلاقة القديمة بين السعودية ولبنان من أيام الملك المؤسس (عبد العزيز آل سعود). وكذلك علاقته الأدبية مع الأديب الكبير أمين الريحاني. ومنذ فترة صار الاحتفال بالذكرى المئوية للريحاني (في الرياض). وعلاقة المؤسس مع البطريركية المارونية. فالعلاقة التاريخية هي الأساس”.

أضاف: “السعودية صارت إطلالة للمنطقة وللعالم كله. صارت منصة للسلام العالمي؛ لذلك أنا اخترت السعودية لعلاقتها التاريخية. وآمل وأنتظر من السعودية وخصوصاً ولي العهد سمو الأمير (محمد بن سلمان)، أن نصوّب العلاقة لمصلحة البلدين، ونزيل كل العوائق التي كانت في الماضي القريب، حتى نبني العلاقات الاقتصادية والطبيعية بيننا، ويعود السعوديون إلى بلدهم الثاني لبنان، واللبنانيون اشتاقوا للسعودية، وهذا هدف الزيارة، بالإضافة إلى أنها زيارة احترام وشكر لولي العهد على مشاركته في الخماسية، ولمدة سنتين إلى ثلاث سنوات وحتى إنهاء الشغور الرئاسي، والتي كانت بتوجيهاته التي عمل عليها (المستشار في الديوان الملكي) نزار العلولا، والسفير (السعودي لدى لبنان وليد) البخاري، وبالتأكيد وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، وأخيراً الأمير يزيد بن فرحان”.

وتابع: “هذا المجهود الكبير بتوجيهات سمو الأمير محمد بن سلمان، أدى إلى إنهاء الشغور الرئاسي، وهذه الأهداف الأساسية التي على أساسها اخترت أن تكون السعودية وجهة أول زيارة”، مؤكداً “أنني زرت سمو وزير الدفاع السعودي (الأمير خالد بن سلمان) قبل انتخابي بنحو أسبوعين، وطلبت منه وأرسلت رسالة باحتياجات الجيش اللبناني، وعندي كل الثقة أنه سيُستجاب لها، وخلال الزيارة سأطلب – إذا كان ممكناً – إعادة تفعيل الهبة (المساعدات العسكرية التي كانت تقدمها السعودية إلى الجيش اللبناني)”.

وتوقّع الرئيس عون أن “لبنان يستطيع أن يكون ضمن رؤية سمو ولي العهد رؤية السعودية 2030. ومن المؤكد أنه يجب أن يكون هناك نوع من اللجان الثنائية تتابع القضايا بجميع المجالات الأمنية العسكرية، الاقتصادية، السياحية والتجارية والمالية، وما إلى ذلك”، قائلاً: “لا تنسوا أن هذه المملكة احتضنتكم وعشتم فيها بكرامة، وأعنتم أهلكم في لبنان، حافظوا عليها وتقيّدوا بقوانينها وردوا الجميل إليها. وهنا لا ننسى أن السعودية هي عراب اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، فالسعودية بلد أساسي؛ والبلد الثاني للبنانيين الذي احتضن اللبنانيين وعيشهم بكرامة، فإذن لا بد من أن نرد له الجميل. حافظوا على السعودية. البلد الذي احتضنكم، وكرمكم، ولا تنسوا بالمقابل لبنان بلدكم الأم.”

وعن خوفه من تفكك الجيش اللبناني تحت وطأة الحاجة، قال: “أبداً. ولا لحظة تشككت في تفكك الجيش اللبناني. عشت معهم معاناتهم، وأمّنت لهم حاجاتهم الأساسية وكنت بجانبهم وما تركتهم. وهذا الفضل ليس لي فقط، بل أنوّه بكل عسكري وضابط بالجيش كان لديه إيمان كبير ببدلته العسكرية وإيمان بقدسية مهمته وببلده، القادة على الأرض هم أيضاً عملوا وتعبوا ليحافظوا على لحمة الجيش ووحدته، واستمراريته عبر الأمور كافة لتأمين حاجات العسكر، من زراعة الأراضي وإنتاج بعض المزروعات أو المنتوجات من إنشاء معمل صغير وحتى تأمين مثلاً المواد المنزلية بأرخص الأسعار، وتأمين التنقلات مجاناً ولكن أهم أمر كان الخدمات الطبية العسكرية، التي يستفيد منها 400 ألف شخص. لم يحدث أن احتاج أحدهم إلى شيء “ولا عسكري اتبهدل على أبواب المستشفيات وكانت مؤمَّنة للكل”. كل هذه العناصر سوياً جعلت الجيش متلاحماً، والأهم إيمانهم بقضيتهم، وقدسية المهمة، يعملون وهم مقتنعون بأنه ليس هناك خيار إلا المؤسسة العسكرية. والشهداء كانوا من الطوائف كافة، وعندما كان الضابط يذهب في مهمة لم يكن يسأل: هذه المهمة ضد من؟ أو ضد أي طائفة أو منطقة أو حزب؟… كان ينفذ أوامره من دون تردد وهذه لمستها لمس اليد”.

وقال: “القمة الطارئة هي لمتابعة الموضوع الفلسطيني الطارئ. أكيد أقل شيء هو أن يكون هناك موقف عربي موحد، ولكن لا يجب أن نكتفي بالموقف فقط، بل تجب متابعة الموقف لمواجهة التحديات. إذا أردنا الذهاب فقط من أجل إطلاق مواقف من دون وجود لجان لمتابعة المواقف في المجتمع الدولي سواء في أوروبا أو الأمم المتحدة أو أميركا وبالدول كافة؛ فإذن يكون حبراً على ورق، بكل صراحة يعني. ربما تفاجأون بصراحتي بعض الشيء لأنني جئت من خلفية عسكرية ولكن هذا الواقع، ورأينا قمماً كثيرة وكانت بمقرراتها ممتازة، ولكن لم يطبق منها شيء؛ ليس فقط المقررات، بل تجب متابعة تطبيق القرارات”.

وطلب لقاءات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قائد البلد المضيف، والأمين العام للأمم المتحدة، وأمين عام الجامعة العربية، مع سمو أمير قطر، ملك الأردن عبد الله الثاني، والرئيس السوري أحمد الشرع، وأعددنا لائحة بلقاءات عدة لتأمينها في إطار الوقت المتوفر، وإن شاء الله نقدر.

وقال: “هذا هدفنا، أن تكون علاقات كلها تحت مبدأ الاحترام المتبادل لسيادة الدولتين، ودعنا ننسَ الماضي ونبنِ عليه للمستقبل؛ أي (ضمان) أن الأخطاء التي ارتُكبت لا تتكرر بالمستقبل. الرئيس السوري نسمع له كلاماً رائعاً ولديه فكرة بناء دولة، وسنرى كيف تترجم هذه الأمور… الحكومة اللبنانية حصلت على الثقة ومؤكد سنعمل خطوات باتجاه الدولة السورية، وبالمقابل إن شاء الله نجد خطوات مقبلة من الجهة السورية تحت مبدأ الاحترام المتبادل”.

وقال: “صراحة، الأكثر إلحاحاً الآن هو ضبط الحدود. تحدث المشاكل على الحدود مع المهربين، والأهم من هذا كله ترسيم الحدود البحرية والبرية مع الطرف السوري وصولاً إلى مزارع شبعا، أيضاً هناك ملف عودة النازحين السوريين، يجب إيجاد حل سريع لمصلحة البلدين أيضاً، لا يمكن للدولة السورية أن تتخلى عن مليوني شخص من مواطنيها النازحين بلبنان، وتجب عودتهم إلى بلدهم؛ لأن أسباب هجرتهم انتفت ولم تعد موجودة، سواء كانت الحرب أو النظام الذي كان يضطهدهم، ولم يعد هناك لزوم لبقائهم. وعلى الدولة السورية أن تستقبلهم. هاتان النقطتان الأساسيتان، ومؤكد العلاقات الطبيعية تحت قاعدة الاحترام المتبادل”.

وتابع: “صراحة، الكل طلب أن يكون هناك إصلاحات. ولكن لم يطلب أحد بحصرية السلاح أو تحدث عنه. بطبيعة الحال نحن مستعجلون على الإصلاحات، ولكن أتمنى أن تترافق الإصلاحات مع إعادة الإعمار، والمطلب طبيعي لأن التجارب السابقة معنا للأسف غير مشجعة بموضوع المساعدات، نحن مع الإصلاحات وأخذنا على أنفسنا عهداً أن نعمل الإصلاحات. لكن أيضاً في المقابل نتمنى عدم انتظار انتهاء الإصلاحات، بل على الأقل المضي خطوة مقابل خطوة. إذا انتظرنا انتهاء الإصلاحات، وإن شاء الله لا تكون بعيدة كثيراً، فسنتأخر على إعادة الإعمار. بالدرجة الأولى تهمنا إعادة الإعمار لأن كثيرين من الناس (المهجرين) لم يعودوا بعد إلى بيوتهم”.

أضاف: “دعني أكن واضحاً صريحاً. كما قلت: السياسة بنت الظروف وكل رئيس – ليس فقط الجنرالات – من أيام الرئيس بشارة الخوري إلى كميل شمعون وفؤاد شهاب إلى آخرهم الرئيس (ميشال) عون، كل واحد كان عنده ظرف. أكيد هناك الشخصية التي تطبع كل ظرف. يعني شخصية الرئيس فؤاد شهاب بنى المؤسسات التي لا تزال تمضي بلبنان. أنا لا أريد أن أقيّم أحداً، لكن يمكننا أن نتعلم مما حدث ونستخلص العبر. بالنهاية، يمكن أن ألتقى مع الرئيس شهاب ببناء الدولة أو بإعادة تكوين الدولة أو بإصلاحات الدولة. حتى الآن لا يزال الحديث عن الشهابية ومؤسساته لا تزال موجودة، فإذن نحن يهمنا نبني الدولة وهذا هدفنا الأساسي. كما قلنا، كل رئيس جاء بظرف ويمكن لو كنا مكانه لم نكن لنتصرف بهذه الطريقة أو تلك. لست بصدد تقييم أحد ولكن نقدر نتعلم من العبر أو نستخلص العبر من الدروس”.

وتابع: “صراحة، كان الدافع هو أحداث التهجير التي تعرضت له قريتي. صارت عندي ثورة داخلية وأحببت أن تكون هذه الثورة ضمن مؤسسة الدولة المؤسسة العسكرية. أنا تربيت في بيئة عسكرية. الوالد في قوى الأمن وعمي كان في الجيش، الله يرحمه، وابن عمتي ضابط في الجيش، وهذا الذي دفعني أساساً للالتحاق بالجيش. وداخل المدرسة الحربية أو الكلية الحربية تقرأ عن القادة العظام في التاريخ وتتعلم منهم وتتأثر بهم. كل قائد عنده محطات معينة يمكنك أخذها والبناء عليها”.

وقال: “ليس بالإحباط، ولكن بالعتب على السياسيين لأنهم يطلبون الكثير من الجيش ولا أحد يعطي الجيش. دائماً يلقون باللوم على الجيش: الجيش لم يقم، الجيش لم يعمل، الجيش مقصر. لا أنتم المقصرون. الجيش في حاجة إلى متطلبات، وأنا عانيت 8 سنوات. سمعت انتقادات كثيرة للجيش أنه لا يضبط الحدود. أسأل هذا الشخص: هل تعرف الحدود؟ هل طلعت على الحدود؟ يقول لا. أرد: على أي أساس تبني وتتهم الجيش بالتقصير إذا لم تكن تعرف حدود بلدك؟ وهذا ما كان يجعلني عاتباً على السياسيين. وبالعكس، عندي فخر كبير بالمؤسسة العسكرية لأنه رغم الصعوبات الاقتصادية والتعقيدات كان الجيش يقوم بمهمته على أكمل وجه. تخيل أن أحد العسكريين الأجانب قال لي: إذا وصل راتبي إلى 60 دولاراً أترك الخدمة. لكن العسكري (اللبناني) نفذ مهمته وهو يتعرض لهذا”.

وقال: “من ألف إلى ألف ومائتين دولار، ثم وصل إلى 60 دولاراً و40 دولاراً. الآن صار تقريباً 230 دولاراً. هذا أيضاً ليس كافياً مقابل تضحيات العسكريين. أنا أفتخر بالجيش والعسكر والضباط الذين بقوا واقفين على أرجلهم وحافظوا على قسمهم. وخلال ثماني سنوات وأنا في قيادة الجيش تعرَّضنا لحملات كثيرة لحصر موازنة الدفاع، واتُهمنا بأننا نكسر الدولة. نعطيهم بالأرقام حاجات الجيش. لم نطلب شراء أسلحة متطورة تكلف الدولة، بل نطلب الأشياء الأساسية التي تمكن الجيش من القيام بمهماته”.

وأشار إلى أن “في المحطات كلها من الأحداث التي حدثت بعد 2019 بسبب الوضع الاقتصادي، ما يسمى الثورة، مظاهرات واجهها الجيش وقدَّم أكثر من 600 جريح. ورغم كل ما تحمَّله الجيش من إهانات ومحاولة تشويه صورته وإصابات، استطاع ضبط الأمور. كان مع الطرفين. كان يحمي غير المتظاهر وكان يحمي المتظاهر. ويمكنكم الرجوع للأرشيف والتأكد من ذلك. ساهم الجيش بمواجهة جائحة كورونا مع الدولة. في انفجار مرفأ بيروت، أول من تسلم ضبط الأمن ولملمة الوضع والقيام بأعمال البحث والإنقاذ بالتنسيق مع الدول التي سارعت لتساعدنا ومسح الأضرار، هو الجيش. العمليات الانتخابية هو الجيش، ضبط الحدود هو الجيش، مكافحة الإرهاب هو الجيش”.

وقال: “هذا لا يحرجنا. هذا حق اللبنانيين بالوصول للحقيقة. أنا عندي ثمانية عسكريين استُشهدوا من المجموعة التي تقوم بحماية المرفأ. أريد أن أعرف ما هو المسبب. الضحايا والمصابون والمعاقون والمشوهون حتى الآن. دعك من الأضرار التي وقعت بالبنايات. لكن الأضرار البشرية، أليس من حق أهل الضحية أن يعرفوا السبب؟ إذا كان هناك متسبب نعرف من هو ويحاكم. وإذا هناك إهمال لنعرف من المسؤول عن إهمال ويحاكم. وإذا هناك فساد لنعرف من المسؤول عن الفساد ويحاكم. هذا الملف لا بد من أن يغلق”.

ولفت إلى أن “عندما بدأ تحقيق انفجار المرفأ طلبت من القاضي فادي صوان إذا هناك أي سؤال تشعر بأنني يجب استدعائي للتحقيق للإجابة عنه، استدعوني من دون طلب رفع الحصانة وأنا سأنزل من تلقاء نفسي. وكررت الطلب من القاضي بيطار. وأنا لا أتدخل ولا أغطي أحداً، حتى لو كان أخي، نحن في وسط شعارنا التضحية. والاستشهاد هو قدر وليس قراراً. وأكيد نحن حين ننضم إلى المؤسسة العسكرية نكون مقتنعين بأنه يمكن أن نتعرض للإصابات أو للاستشهاد. وليس معنى هذا أن هذا الشيء طبيعي، لكن نحن بقناعتنا أن هذه تضحية نقدمها لصالح البلد. ولكن ساعتها تكون من أصعب اللحظات أن ترى عسكرياً يسقط إلى جانبك أو بمهمة في سبيل وطنه”.

وقال: “أهم أنواع التضحية حين يضحي الإنسان بحياته من أجل الآخرين من دون مقابل. عندما يقولون لي إن عسكرياً استشهد وهو ينفذ مهمة، وأنا استشهد معي عسكريون كثيرون، يحز في قلبي. أحس بالفخر ولكن يحز بقلبي أن هذه اللحظة صعبة. مع قناعتنا بأن هذه تضحياتنا وقدرنا، لكن ساعة وقوع الأمر صعبة”، أنا عملت خلية دستورية هدفها ومهمتها الأساسية دراسة اتفاق الطائف والدستور والثغرات فيه واستكماله. أين ما لم يستكمل بعد ويقدمون لي دراسة عن هذا الموضوع. هذا الهدف. وإن شاء الله يكون هناك تجاوب من الأطراف الأخرى”.

وقال: “أريد أن أكرر ما كنت أقوله للعسكر وللضباط في الحربية. لا تجعلوا زواريب المذهبية والطائفية تعشعش بداخلكم. ما بعمرها الطوائف أو الطائفية أو الأحزاب استطاعت أن تبني بلداً. لبنان الدولة هي التي تحمي وليست الطوائف. انزعوا الأحقاد من قلوبكم؛ لأن الأحقاد لا تبني دولاً ولا تبني لبنان. إذا كنا كبلد نريد أن نرجع لنعيش بكرامتنا ونجعل لبنان كما كان قبل (الحرب الأهلية في) 1975 «سويسرا الشرق»، علينا أن ننسى كل ماضينا ونتعالى ونتفق كلنا ونتوحد كلنا لنبني لبنان”.

وعن علاقته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، قال: “أكثر من ممتازة”.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen