سوريا بجيشها وشعبها.. تاريخ حافل في مقارعة "إسرائيل"
كتب المُحرّرمنذ نشأتها وقفت سوريا مع جارتها فلسطين ضد العصابات الصهيونية الإرهابية التي جاءت من كل أصقاع العالم لاحتلال أرضها، إذ خاض جيشها ومعه العديد من المتطوعين من أبناء شعبها أعتى المعارك والحروب ضد "إسرائيل" دفاعًا عن القدس الشريف.
على مدى قرون طويلة كانت فلسطين جزءًا من سوريا الكبرى وخاصرتها الجنوبية، ومنذ الألف الثالثة قبل الميلاد وحتى سقوط الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين، ظل شعبهما واحد تربطهما صلات تاريخية عميقة من مصاهرة وعلاقات اجتماعية ومشترك ثقافي وديني.
ومع فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين في نهاية الحرب العالمية الأولى واثناء انعقاد مؤتمر الصلح بباريس عام 1919، تشكل المؤتمر السوري الكبير في دمشق تحضيرًا للجنة "كينغ كراين" لتقصي الحقائق بشأن مستقبل سوريا الكبرى (بلاد الشام التي تضم سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)، وأعلنت هذه اللجنة أن الأكثرية المطلقة من العرب تطالب بدولة سورية مستقلة، وترفض فكرة إنشاء وطن قومي لليهود.
وبعد ظهور ملامح اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 التي أدت الى تقسيم بلاد الشام الى أربع دول، بدأت العصابات الصهيونية بترويع الفلسطينيين العزّل وشن هجمات عليهم بغية تهجيرهم من أرضهم، فانتفض ابن مدينة جبلة السورية الشيخ محمد عزالدين القسّام الذي انتقل من دمشق الى حيفا للقتال ضد الإنكليز، الممهد لتمكين اليهود من تشكيل وطن قومي لهم، وأطلق ثورته المسلحة بعد العمل على تشكيل تنظيم سري يضم نخبة من أصدقائه وطلابه. وأدى ذلك فيما بعد إلى انتفاضة وطنية قام بها الفلسطينيون ضد الإدارة البريطانية للولاية الفلسطينية، مطالبين بالاستقلال، وإنهاء سياسة الهجرة اليهودية المفتوحة التي استمرت بين عامي 1936 و1939.
وفي تشرين الثاني عام 1947، أعلنت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين لدولتين يهودية وفلسطينية بناءً لوعد بلفور (1917) بتشكيل وطن قومي لليهود. وردًا على ذلك شكلت اللجنة العسكرية للجامعة العربية جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي الذي اتخذ من سوريا مقرًا لقيادة الجيش بهدف منع تأسيس دولة يهودية وإعاقة خطة التقسيم، كما تم تجهيز معسكر قريب من مدينة قطنا بريف دمشق ليكون مركزًا لتجمع المتطوعين العرب الراغبين بالالتحاق بجيش الإنقاذ.
وشارك الجيش السوري بثلاثة أفواج من أصل 7 أفواج ضمن جيش الانقاذ، إذ دخل فوج اليرموك الأول بقيادة المقدم محمد صفا فلسطين يوم 22 كانون الثاني/يناير 1948، واتخذ مواقعه في منطقة جنين-بيسان، فيما تمركز فوج جبل العرب بقيادة الرائد شكيب وهاب في منطقة شفا عمرو قرب الناصرة.
وكانت معركة جِدّين أولى المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ في فلسطين، ففي ليلة 22/21 كانون الثاني/يناير 1948 وبغية الإلهاء عن عملية عبور فوج اليرموك الأول إلى فلسطين شن فوج اليرموك الثاني بقيادة المقدم في الجيش السوري أديب الشيشكلي هجومًا مفاجئًا على مستعمرة صهيونية في جدين قرب ترشيحا بالمنطقة الشمالية. وكانت معركة الزراعة هي التالية في سلسلة معارك جيش الإنقاذ، وقد خاضها فوج اليرموك الأول ليلة 17/16 شباط/فبراير 1948 على الرغم من صعوبة الأحوال الجوية.
ومع نكسة عام 1967 التي خسر فيها السوريون الجولان وأجزاء من القنيطرة قدّم الجيش السوري 2500 شهيدًا دفاعًا عن فلسطين وبلدهم.
ولم يتحسن الوضع إلى الأفضل كثيرًا مع نصر "أكتوبر" تشرين الأول 1973، إذ استشهد 3000 ضابط وجندي سوري وجرح نحو 20 ألفًا، ولم يعد الفلسطينيون إلى أراضيهم وبقيت معظم الأراضي السورية التي احتلتها "إسرائيل" بيدها. ورغم ذلك حقق الجيش السوري انتصارًا على الجيش الإسرائيلي، حيث قامت قواته بشن هجمات جوية صاعقة على تمركز العدو في الجولان أدت إلى تشتيته، وتقدمت هذه القوات في عمق هضبة الجولان واستعادت المرصد الاستراتيجي على جبل الشيخ وتراجعت بعد ذلك لأسباب عديدة منها تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وامداد "إسرائيل" بكافة المساعدات.
ولدى اجتياح "إسرائيل" للبنان عام 1982، تصدى الجيش السوري لقوات الغزو الإسرائيلية ودخل في معركة بالبقاع مع قواته المتقدمة بالقرب من قرية السلطان يعقوب. ومع أن ميزان القوى البرية في تلك المنطقة كان لصالح الإسرائيليين، وكانت قواتهم المتقدمة معززة بحوالي 650 دبابة و200 مدفع، في حين أن القوات السورية كان لدينها نحو 400 دبابة و150 قطعة مدفعية ونفس العدد تقريبًا من عربات "بي إر دي أم – 2" المزودة بالصواريخ المضادة للدبابات، إذ فقدَ الجيش الإسرائيلي 10 دبابات وحوالي 30 قتيلاً و5 أسرى، كما فشل الإسرائيليون في تدمير دباباتهم المعطوبة من طراز "إم 48 باتون" التي تركوها وراءهم، وفي اليوم التالي سقطت غنيمة في أيدي السوريين.
وخلال حرب لبنان الثانية عام 2006، وقفت سوريا بحكومتها وجيشها وشعبها الى جانب لبنان ومقاومته، ففتح الجيش السوري مخازنه وزوّد المقاومة بالسلاح، ومنها صوارخ ضد الدروع "الكورنت" التي دمرت أكثر من 100 آلية لقوات العدو المتقدمة في وادي الحجير وسهل الخيام ومحيط بلدة عيتا الشعب وغيرها، وعلى الإثر أعلنت "إسرائيل" وقف عدوانها على لبنان بعد يومين بما يسمى بـ"مجزرة الميركافات".
وبهذا تكون سوريا بجيشها وشعبها، من أول الدول العربية الداعمة للقضية الفلسطينية، قدمت عشرات آلاف الشهداء من أجل فلسطين والقدس الشريف، ومع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد يبقى الرهان على أن الشعب السوري لم يتخلَ عن ثوابته في استعداء "إسرائيل" ورفضه التطبيع معها.