علاقة طرابلس بفلسطين: طحين بلا جعجعة
كتب المُحررلا يسر النّاظر الى طرابلس من بعيد بواقع حالها وهي اليوم تعيش ذروةَ التّهميش والإهمال الإقتصادي والسّياسي والأمني. ،هذا التّهميش إنسحب بإتجاه قضايا المنطقة التي كانت تشغل طرابلس بإستمرار فبعد أن كانت متقدمة على غيرها من المدن اللبنانية في التّفاعل الجماعي مع القضايا المركزية وأولها فلسطين صارت اليوم وكأنّها في عزلةٍ مظلمةٍ.
إلّا أنه وكما يقول المثل الشّائع "روما من فوق غير روما من تحت" كدلالةٍ على التّباين بين ظاهر الأمور وخفاياها في طرابلس.
طرابلس من فوق تراها من خلال القيادات والزعامات التاريخية فيها والتي تنقسم الى قسمَين، القسم الأول يتماهى مع المشروع الأمريكي الصهيوني والذي تعبر عنه على سبيل الصدفة القوات اللبنانية مع عدد من الأحزاب والشخصيات في لبنان المعروفة التّوجه.
فطرابلسياً ترى النّائب أشرف ريفي والنّائب السابق مصطفى علوش الأكثر نشاطاً في التسويق لهذا المحور بشكل مباشر أو غير مباشر حتى بلغ الحماس بالنائب ريفي حدود أن يتقمص دور العلّامة المفتي وأصدر عدد من الفتاوى تخرج المجهود الحربي للمقاومة الفلسطينية من مفهوم الجهاد المقدس ليضعها في إطار رمي النّفس إلى التّهلكة.
أما القسم الثاني من زعامات المدينة فيكتفى بتغريدةٍ على منصةٍ و بيانٍ تبثه الوكالة الوطنية على موقعها دون أن يكون لهم أي دورٍ في تنظيم عمل جماعي داعمٍ لفلسطين وقضيتها أو يُظهر الوجه السّياسي الحقيقي للمدينة وهم يعملون ضمن حدود رفع العتب دون أن يحققوا رفع العتب عنهم.
الغائبُ الأبرز عن مشهد طرابلس من فوق هي الجماعة الإسلامية والتي حتى اللحظة لم تجرؤ على إطلاق ورشة عملٍ حقيقيةٍ أو وهميةٍ حتى تتناسب مع واقع غزة والمنطقة وبالرغم من أنّها الطّرف السياسي الأكثر إلتصاقاً بحركة حماس عضوياً ومعنوياً ، حتى أنّ إغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية قد مر على جماعة طربلس مروراً سينمائياً ولا هم صفّقوا ولا هم جزعوا من هول المشهد.
أما جمعيةُ المشاريع الخيرية فلا يبدو أن الحديث عنها مجدياً وهي المشغولة حتى اليوم بأن تعيد "المسلمين إلى إسلامهم" أما فيما خصّ المقتلة التي يتعرّضُ لها أهل غزة فهي غير معنية حتى بأن تلقّنهم الشّهادة باللفظ الصّحيح قبل أن تُحوّلهم قنابل الإحتلال إلى أشلاء.
طرابلس الحقيقية هي طرابلس القاعدة الشعبية أي أهلها وناسها، ولو أنّ حديثهم عن فلسطين يبدو لك كالهمس إلّا أنّه في الحقيقة صراخٌ وهتافٌ حقيقي يُحدثُ تحولاً في الموقف الجماعي للمدنية والتي تبدو اليوم مغتاظة من صورتها أمام الآخرين، بعد أن كانت في مقدمة المدن التي تُنصف الحقّ وتَنصر المظلوم .
يقوم المجتمع الطرابلسي اليوم ببناء جسرٍ يتجاوز جدران الزّعامات ويبني موقفه السياسي بعيداً عنهم. وبغض النّظر عن القلة التي ما تزال تتماهى مع بعض المشاريع الغريبة عن المدينة تجد أنّ الأكثرية باتت تُعبّر عن موقفٍ واضحٍ مما يحدث في غزة وتُقدّر أهميّة جبهات الإسناد حتى أنها تراهن على مشهد الوحدة الإسلامية الممتد من غزة الى اليمن مروراً بلبنان والعراق وإيران لتحقيق الإنتصار على العدو الصهيوني.
وإنّ جولة حوارٍ سياسي ميدانية بين أهالي المدينة ستُظهر لك أن في المدينة طحينٌ كثيرٌ وجعجعةٌ خفيفة.