العودة الثانية لــــ"بهاء الحريري" غيمة صيف
كَتَبَ المُحَرّرعاد بهاء الحريري إلى الساحة السياسية من جديد.
في تجربته الأولى، في العام 2005، اقتصر حضوره على الصورة، يوم رفعته الحشود على الأكف بعد اغتيال والده الشهيد، مذاك غاب عن المشهد حوالي 15 عامًا، وعاد بعدها ليخوض انتخابات العام 2022، فكانت النتائج مخيّبة، ولم يحظَ بأي مقبولية شعبية في طائفته. وانهال عليه سيل الانتقادات، حتى ممن هلّل له آنذاك، ومن بينهم اللواء أشرف ريفي، لإدارته المعركة بـ"الريمون كونترول". بعدها انسحب من المشهد بهدوء، ولم يُسمع له حسيسًا ولا ونيسًا على مدى سنتين، ليعود هذه الأيام ويعاود الكَرّة من جديد، وعينه على الكرسي الثالثة، وعلى تطويبه زعيمًا للطائفة السنية، طارحًا نفسه بديلًا عن شقيقه سعد الحريري، لإكمال مسيرة والده الشهيد، وفقًا لما يُردّد مؤخرًا.
عاد بهاء من بوابة الشمال؛ حيث الثقل السّني، فأغدق الوعود على أهل عكار وطرابلس، ووعدهم بمشاريع تنموية وباستعادة موقع الطائفة، فتحلّق حوله البعض.. منهم من حضر للتعارف، ومنهم من أكل "طاووق" بحضرة السمك على سفرته، ومنهم من بقي قلبه مع سعد ففضل أن يقاطع، من دون أن يتمكّن بهاء من تذليل الشكوك الكبيرة حول حركته و"مساره"، في ظل الاتهامات له بأنه يسعى لوراثة شقيقه سعد وهو حي يرزق، وانتزاع ما يراه حقه الحصري في ترؤس "المدرسة الحريرية".
عودة بهاء وضعته ما بين قلّة من المطبّلين الذين هلّلوا له، وتحدثوا عن مشروعه الإصلاحي وعن "القائد" و"استعادة الطائفة لموقعها"، وبين كثرة المنتقدين الذين يرون فيه طموحًا شخصيًا يفتقر الى الشعبية، فيتحدثون عن استحالة استحواذه على تأييد الشارع السّني وولائه، والذي سيظل متمسكًا بشقيقه سعد زعيمًا سياسيًا يمثل آماله.
لقد طرح هؤلاء المنتقدون سلّة هواجس وإشكالات بشأن عودة بهاء الحريري، ومنها:
أولاً- يؤخذ على بهاء أن مسار حضوره للعمل السياسي تزامن مع تعثر شقيقه وتآمر وانقلاب بعض حلفائه عليه. فبدلًا من وضع يده بيد شقيقه ومساندته ساندهم بإطلاق النار، وجيّش المعارضين عليه، ومنهم من داخل البيت الحريري. من هنا؛ يوحي توقيت عودته بمنافسة واضحة لشقيقه سعد، وفيها سعي لقطع الطريق على عودة الأخير بعد تعليق عمله السياسي. وتكرار بهاء لقوله بأنه عاد لإكمال مسيرة والده الشهيد، يحمل في طياته انتقادًا ضمنيًا لشقيقه سعد، ويظهره بأنه لم يكن على قدر المسؤولية إزء ميراث والده السياسي.
ثانيًا - غموض برنامجه ومشروعه السياسي، فأبناء الطائفة السّنية، ومنهم المحسوبون على الرئيس سعد الحريري، يتوجّسون من عودة بهاء الحريري ويتساءلون عن مشروعه وما يحمله من خطة ورؤية، فهم ملّوا الشعارات الفارغة.
ثالثا – من هواجسهم أيضًا، فقدان بهاء للغطائين الإقليمي والدولي.. فهم يتساءلون: من هي المظلة الخارجية له، وفي ظل أي مشروع عربي- إقليمي يندرج حضوره؟.. سيما والمؤشرات توحي بأنّ ليس هناك من معطيات تشير إلى وجود جهات رسمية إقليمية أو دولية ترعى وتواكب نشاطه، كما حصل مع شقيقه.
رابعا - مدى ملاءة بهاء الحريري المالية، إذ يرى المعنيون أن التجربة السابقة في السنوات الماضية لم تظهر "كرمه"، خصوصًا أن الناس تحتاج اليوم إلى من يقف إلى جانبها، في ظل الظروف المعيشية الصعبة. لذلك هي تسأل: هل لديه الإرادة والقدرة على دعم الفقراء المحرومين؟
خامسًا - ثمة هواجس ترتبط بفريق عمله والمحيطين به، فهم ليسوا من أولئك المخضرمين الذين أحاطوا بالرئيس الشهيد رفيق الحريري. من هنا؛ كيف سيكون أمينًا على هذا الميراث السياسي، ويحافظ على هذا الإرث مع فريق عمل لم يترعرع في قريطم، ويتبنّى أفكارًا متطرفة وتطبيعيّة (جيري ماهر) لم تكن يومًا على جدول الشهيد الأب.
سادساً- يؤخذ على بهاء الحريري انفصاله عن الواقع الحقيقي للساحة السنية وتكراره لشعارات معادية للمقاومة في وقت تلتف فيه الطائفة السنية وتدعم معركة اسناد غزة، وهو ما أثار حفيظة عدد كبير ممن اجتمعوا به.
لم تأتِ رياح ردّ الفعل الشعبية في الشمال، والتي عبرت عنها الشعارات واليافطات المنتقدة للزيارة، وفقًا لما تشتهيه سفن بهاء الحريري، وحتى الفضاءان الإعلامي والسياسي لم يكنا في مصلحته، إذ وصفه موقع "أساس ميديا"، وهو المحسوب على الوزير السابق نهاد المشنوق الذي رافق مسيرة والده، بـ"الابن الضال"، بينما لم يبسط له من عاش في كنف الحريري الأب يده، وذهب بعضهم إلى الجزم بأن تجربته لن يُكتب لها النجاح، ولن تتمكّن من شقّ طريقها، ولو بأمتار قليلة باتجاه عرش الزعامة.
في الخلاصة، يبدو أن طريق بهاء الحريري المتردد دائماً في السياسة اللبنانية ليست معبّدة، طالما لم تأتِ بمبايعة وتأييد صريح من الرئيس سعد الحريري نفسه، والذي تبيّن أن طائفته ما تزال وفيّة له، وهو واقع لابد ان يقبل به الأخ الاكبر المكبل والعاجز شعبياً باشارة من ابن عمته الامين العام لتيار المستقبل السيد أحمد الحريري.